عين على جون برينان

يجدر بنخبة المعنيين بمتابعة توجهات السياسة الخارجية الأميركية وحساباتها، أن يأخذوا على محمل الجد موضوعة انشغال الرئيس الأميركي باراك أوباما وفريق إدارته في فترة ولايته الثانية، بالتحولات الجارية في العالم العربي، وخاصة ما يتصل بها ويترتب عليها من تداعيات عاجلة وآجلة على مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل.

زيارة أوباما المبكرة إلى مثلث إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية، وجولات وزير خارجيته جون كيري شبه المكوكية، ولقاءاته الممتدة مع قيادات هذا المثلث وما يجاوره كمصر، والحديث الأميركي المتوالي عن استطلاع آفاق استئناف التفاوض على المسار المنكود للتسوية الفلسطينية الإسرائيلية، وعناية واشنطن الفائضة بسبل التعامل مع المعضلة السورية، ومحاولة التعرف على أنسب القوى والوسائل التي يمكن ترشيحها ودعمها كبديل لنظام بشار الأسد، والمواقف الأميركية المتتالية الموحية بمراقبة إجراءات الهدم والبناء في دول "الربيع العربي" عن كثب.. هذه جميعا مؤشرات كافية لإثبات الاهتمام الأميركي الراهن فوق العادة بشؤون العرب وشجونهم.

غير أن المؤشر الأعظم في هذا السياق، هو تعيين جون برينان مديرا لوكالة الاستخبارات الأميركية.. فهذا الاختيار يشبه كلمة السر لمن أراد استكناه إدراك أوباما وأركان إدارته لقضايا الشرق الأوسط، وتبصر الكيفية التي ستتعامل بها واشنطن مع هذه القضايا. ذلك أن برينان تبوأ خلال العشرين عاما الماضية، مناصب تدور كلها في فلك هذه القضايا وتفصيلاتها المضنية.

فبين 1996 و1999 كان مندوبا للاستخبارات الأميركية في الرياض، ويقال إنه اعتنق وقتذاك الإسلام، وزار مكة والمدينة في موسم الحج، وكان قبل ذلك دارسا لسياسات الشرق الأوسط وللغة العربية في الجامعة الأميركية في القاهرة.

ويشار إليه في الدوائر الاستخبارية الأميركية ـ عن حق أو عن مبالغة - على أنه "الرجل الذي مارس دورا كبيرا في رسم اتجاهات عاصفة الربيع العربي، وكان يلاحظ ويراقب تحركات القوى المنتفضة الصاعدة، ويحصي أخطاء النظم المنهارة، وفي أحيان كثيرة لم يتردد في إعطاء من تراد له مغادرة السلطة جرعة من التلويح أو التهديد بعقوبة".

ووصفه البعض بأنه "أكثر رجال الأمن حنكة في تقدير نيات القوى الناشطة في الدول التي يعمل فيها، وتقديم استنتاجات مواتية للأهواء والتفضيلات الأميركية".

ويقولون إن أوباما أراد بتعيين رجل بهذه المواصفات على رأس المؤسسة الاستخبارية الأخطر في العالم، مكافأته على نجاحاته في اختراق مؤسسات العالم العربي.

هذا جائز تماما.. ولكن من المعقول والمقبول أيضا أن يفسر هذا التعيين، على أنه أحد أهم ضمانات استمرار اتجاه المعالجة الأميركية الحذرة والمتبصرة، لما يدور في الرحاب العربية أو الشرق أوسطية في المرحلة الحالية.. مرحلة التفاعلات المهتاجة الفوارة، والضبابية في الوقت ذاته، وتشوف ما يمكن أن تفضى إليه.

والحق أن ظنون الرئيس أوباما لم تخب، فقبيل زيارته لهذه الرحاب في مارس الماضي، اطلع على بيان بسطه برينان أمام مجلس الشيوخ الأميركي؛ عرض فيه حزمة من التوقعات والنصائح الموصولة بهذه المرحلة.

فبالنسبة لمصر، نوه إلى أن "المفتاح الرئيسي لقدرة الرئيس محمد مرسى على حشد التأييد، يتركز في تحسين مستوى المعيشة والحالة الاقتصادية، لا سيما في ضوء تراجع الناتج القومي وتفاقم معدل البطالة".

وعن مصير التحولات السياسية في دول "الربيع العربي"، ذكر أن الإطاحة بزعماء هذه الدول أطلقت موجة من العداءات والخصومات الإثنية والطائفية، وأدت إلى ترسيخ الأحزاب الإسلامية.. "والمرجح أن تتمكن هذه الأحزاب من تعزيز نفوذها في المستقبل".

وعن التهديدات التي تنتظر المصالح الغربية عامة والأميركية خاصة، أشار برينان إلى أنها تتأتى من تعامد ثلاث ظواهر: أولاها، حالة السيولة داخل مناطق لا تخضع للنظم الحاكمة الجديدة، مما أوجد جيوبا آمنة للجماعات المتطرفة، التي يمكنها مهاجمة هذه المصالح.

والثانية، الضغوط الاقتصادية وما ينشأ عن فشل الحكومات البازغة في الاستجابة للتطلعات الجماهيرية.

والثالثة، النظرة السلبية للولايات المتحدة، التي لم تعد تقتصر على القوى الشعبية، وإنما تجاوزت إلى قيام حكومات الربيع بتوجيه انتقادات لواشنطن تفوق بكثير ما كانت تفعله حكومات النظم المخلوعة. ويخشى برينان أن تؤدي هذه النظرة؛ مزدوجة المصدر شعبيا ورسميا، إلى تقويض الجهود الأميركية في مكافحة الإرهاب وبقية المبادرات المشتركة مع النظم الانتقالية الحالية.

نحن إزاء تحليلات وتشوفات لا تخلو من وجاهة وعمق؛ لا سيما ما يخص منها تأثير العامل الاقتصادي على الحراكات الجماهيرية، وانعكاسات الصورة السلبية لسياسات واشنطن على المصالح الأميركية في الرحاب العربية. ولو أن برينان ذهب إلى نهاية الشوط في تدبر مستقبل هذه المصالح، لصارح رئيسه وإدارته حول الأسباب الحقيقية لهذه الصورة.

هذا أمر لا نشك في قدرته على تفهمه، لطول خبرته بالمنطقة ومعرفته بما يعتمل في أحشائها من تفاعلات، وما يدور في وجدانات أهلها من صور وانطباعات.

في كل الأحوال، نحن بحاجة ماسة إلى تحري ما يصدر عن هذا الرجل من بيانات وتقارير وتقديرات، وما يقوم به من تحركات.. على الأقل طالما بقي في موقعه الحساس، الملامس لأذن الرئيس الأميركي وعقله.

تعليقات

تعليقات