يتفق الجميع على أننا نعيش في عصر لم تعد تقاس فيه قوة الشعوب بتعدادها، وإنما بقدراتها النوعية وما لديها من مهارات فكرية إبداعية عزّ أن تتوافر عند غيرها، كما أن الصراع بين الأمم لم يعد يقتصر على جبهات القتال، بل امتدت جبهاته إلى المعامل والمختبرات ومراكز البحوث، والصراع على استقطاب العقول المبدعة.
ولا شك أن الشعوب التي تفتقر إلى بيئة محفزة لنمو التفكير المبدع ورعاية الموهوبين من أبنائها، تكون قد ارتضت لنفسها أن تكون خارج السياق العام لحركة العصر، كمن ارتضى أن يجلس في موقع المتفرجين.
ومن المعلوم بالضرورة أن التعليم من أجل تنمية التفكير الإبداعي أو اكتساب مهارة، من أهم الأهداف التربوية، وهو ما أكده التقرير الذي أعده خبراء اليونسكو إلى اللجنة الدولية المعنية بالتربية في القرن الحادي والعشرين، تحت عنوان "نتعلم لنكون".
إننا نعيش في عالم شديد التغير، ويبدو أن أحد محركاته الرئيسة هو التفكير الإبداعي، لذا فإن مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد للتعليم الذكي، من المبادرات النوعية التي تعبر عن رؤية سديدة وثاقبة، وهي مهمة في تحقيق الريادة في مجال تجويد التعليم وتفاعله مع المستجدات العالمية، وتقديم خدمة تعليمية متطورة، فضلا عن تصنيفها ضمن خطط التجديد التربوي الذي يتناغم مع التطورات التي تطرأ على التعليم.
وهذا المشروع بدأ تطبيقه على بعض المدارس في المرحلة الأولى، وسيتم تعميمه على مستوى الدولة، ويتوقع منه أن يفي بحاجة المجتمع من مخرجات التعليم، وخاصة في ما يتعلق بمهارات استخدام التقنية العالية في التواصل وإنجاز الأعمال، وهو ما أكد عليه سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية، راعي جائزة الأداء التعليمي المتميز، كما أن التعليم في الدولة وبفضل الدعم الحكومي المتواصل، يحظى بأولوية الدعم والمساندة باعتباره محور الاستقرار والتطور وتحقيق طموحات المجتمع.
ولا شك أن التعليم الذكي لا يتوقف عند استخدام التقنية الحديثة بما تتيحه من انفتاح معلوماتي، فجانب كبير منه يتعلق بتدريب الطالب على التفكير العلمي، وسبل الوصول إلى المعلومة، والقدرة على توظيفها والاستفادة منها، فضلا عن اكتشاف ميوله وصقل قدراته.
وإذا كان هناك من يتمايز عن غيره بقدرات فطرية، فإن جانبا كبيرا من المهارات الإبداعية يعتمد على القدرة على ما يبذله الفرد من جهد، وتهيئة البيئة المواتية للإبداع، فضلا عن ممارسته، لأن قدرات الفرد لا يمكن أن تتطور دون المحاولة والخطأ، وهنا تأتي أهمية التوجيه والإرشاد، ويتعاظم دور المدرسة في ترقية مهارات الطالب الإبداعية، خاصة أن التفكير الإبداعي ليس، كما يعتقد البعض، قدرات فطرية تنمو مع الفرد بشكل طبيعي، بل يتعاظم بالمعرفة التي تعين الفرد على التفكير المبدع.
وهنا تأتي أهمية الربط بين النظرية والتطبيق، من خلال الرحلات العلمية التي تقوم بها المدارس التي تطبق هذه التجربة، وزيارة طلابها لمختلف دول العالم، مما يوسع دائرة معارفهم عبر الاحتكاك المباشر، وتعظيم دوافعهم من خلال التقمص الوجداني والتلاقح الفكري، والاطلاع على تجارب الغير.
وفي تقديري أن التعليم الذكي لا يقتصر فقط على المنهج الدراسي وتطويره، بل يمتد إلى بناء شخصية الفرد في فترة مبكرة من حياته، واكتسابه سمات فكرية ورياضة عقليه تصاحبه في مراحل ما بعد التعليم النظامي..
فمن يجلس على مقعد الدراسة الآن، هو من سيجلس على مقعد رئاسة دائرة أو مجلس إدارة شركة ما، وهو من سيتحمل مسؤوليته تجاه وطنه في فترات لاحقة، لذا فما اعتاد عليه من مهارات ذهنية وقدرة على التحليل والتقييم، سينعكس على قدراته في إدارة ومواجهة الأزمات، واتخاذ القرار، وتقديم الحلول الابتكارية، وهؤلاء هم الذين تتقدم بهم الأوطان، وتقام على أكتفاهم نهضتها، ويصان بهم مستقبلها.
كذلك يعتمد التعليم الذكي على تبادل الأدوار بين المعلم والطالب، على غير ما اعتادت عليه الفصول الدراسية التقليدية، والتي يتضاءل فيها دور الطالب إلى حد كبير، فضلا عن البعد عن التلقين والحفظ والتكرار، والتركيز على تنمية مهارات التفكير وإيجاد الحلول، أو ما يسمى بمنهج دراسة الحالة، وهو شكل تربوي يفرز المتميزين ويكشف عن القدرات.. ومن خلال هذه الأسلوب التربوي، نستطيع أن ننتخب الموهوبين من بين هؤلاء ونتعهدهم بمزيد من العناية والرعاية، عبر خطط وبرامج محددة تنمي المهارات وتصقل التجارب.
كما أن اعتماد التعليم الذكي على استخدام المعينات التكنولوجية الحديثة في التواصل بين الطالب ومعلمه، يعظم الدور التوجيهي والإرشادي للمعلم، ويقرب المسافة بينه وبين الطالب وتحديد قدراته الاتصالية مع مستواه الدراسي.
ولا شك أن كثافة الفصول القليلة نسبيا عن الفصول التقليدية مع هذه الحالة الاتصالية الحميمية، والتي يشعر فيها كل فرد باهتمام خاص من معلمه، تضفي شكلا مختلفا على العملية التعليمية، ويستطيع أن يكتسب فيها المتعلم الكثير من فكر معلمه.
وهنا ينبغي التأكيد على أن نجاح مبادرة التعليم الذكي، لكي تأتي نتائجها ونجنى ثمارها، لا بد لها من معلمين أصحاب مهارات خاصة، قادرين على تلبية متطلباتها، لأن المناهج المتطورة والتكنولوجيات الحديثة والبيئة المواتية، لا تغني عن المعلم الكفء، بل إن المعلم الكفء قد يعوض نقص أي مما سبق، كما أن التعامل مع المعرفة دون التقيد بمحتويات الكتاب الدراسي فقط في هذه المرحلة المبكرة، ينمي لدى الطالب مهارة البحث عن المعلومة والصبر على ذلك، ويكسبه القدرة على تحليلها وتقييمها وكيفية توظيفها، وبذلك نحن نصنع نواة لقاعدة من الباحثين يمكن تنميتها وتعظيمها والانطلاق بها.
إن دورة حياة الأمم لا تختلف كثيرا عن دورة حياة الأفراد، ما بين بدايات متعثرة، ثم محاولات للوقوف واكتساب عوامل القوة، ثم مرحلة من الفتوة والقوة، ثم ذبول نسبي، لتصعد أمة جديدة بقوة جديدة تعيش المراحل ذاتها.. والفترة الممتدة بين مرحلة وأخرى، تختلف حسب قدرة الأمم والحضارات على ضخ دماء جديدة في شرايينها.
وقراءة التاريخ تؤكد أن مربط بعث أي أمة، وتجديد طاقتها، وضخ أسباب الحياة في جسدها، ينبع ابتداء من نظامها التربوي والتعليمي ومستوى مخرجاته، لذا فإن مبادرة التعليم الذكي هي الضمانة للوصول إلى التفكير المبدع والحفاظ على شباب الوطن.