أصبحت أزمة سوريا من أشد أزمات الشرق الأوسط تعقيداً على مستويات عديدة، حيث لم يعد في يد أحد مفاتيح إدارتها وتوجيهها، بعد أن اختلطت فيها أوراق كثيرة كان آخرها مبايعة جبهة النُصرة لزعيم تنظيم القاعدة، مضيفة بذلك متاعب جديدة للمعارضة السورية الغارقة في الخلافات من جهة، ومعززة مخاوف الغرب وتحفظه على خيار التدخل العسكري لحسم الصراع لصالحها من جهة أخرى.

فقد باتت سوريا ساحة صراع سياسي مرير وعسكري دموي، على المستويين الإقليمي والدولي. فعلى المستوى الإقليمي أصبحت للصراع الدائر فيها منذ ما يزيد على السنتين، نكهة طائفية واضحة، بعد أن دخلت قوى من خارجها لتصطف طائفياً في ساحاتها، بعضها إلى جانب النظام وبعضها الآخر إلى جانب المعارضة.

 أما على المستوى الدولي فمنذ أغلقت كل من روسيا والصين أبواب مجلس الأمن الدولي في وجه الغرب ومحاولاته إضفاء الشرعية على تدخل عسكري لإسقاط نظام الأسد، بقرارات الفيتو العديدة التي اتخذتاها للدفاع عن ذلك النظام، أصبح لي الأذرع بين الشرق والغرب يجري خارج المجلس، في أجواء فيها بعض التشنج الذي يذكرنا بأجواء الحرب الباردة، عبر مؤتمرات تعقد هنا وهناك لم تثمر عن شيء جدي يرفع الغمة عن الشعب السوري المنكوب.

الصراع في سوريا قد يكون آخر الحلقات في مسلسل الربيع العربي المثير للجدل، والذي شهد سقوط ثلاثة أنظمة سياسية، وشهد تنحي رئيس نظام رابع، في مشاهد درامية نادراً ما شهدتها منطقة الشرق الأوسط، التي بدأت بالتفكك والدخول في حومة صراعات قد تعيدها قروناً إلى الوراء، وقد تعيد رسم خرائطها عبر صراعات دموية من الصعب الحديث عن حجومها وعن تداعياتها.

أهم ما يميز حقبة الربيع العربي، هو بروز دور بعض دول الاتحاد الأوروبي في دعم التغييرات التي جاء بها هذا الربيع، خاصة بريطانيا وفرنسا اللتين تمتلكان القوة العسكرية الأكثر أهمية في الاتحاد الأوروبي، واللتين تتمتعان بصلات ثقافية وعلاقات تاريخية بالمنطقة منذ مطلع القرن العشرين، حين أسهمتا في وضع خرائطها الجغرافية في الاتفاقية الشهيرة المعروفة باسم "سايكس بيكو"، بُعيد انهيار الإمبراطورية العثمانية.

لا شك أن علاقة أوروبا مع المنطقة تؤهلها للعب دور فاعل في مستقبلها، مع تراجع الدور الأميركي بمجيء الرئيس أوباما ورغبته في التفرغ أكثر من الذين سبقوه لمعالجة الداخل الأميركي ومعضلاته، خاصة مع ما يعانيه الاقتصاد الأميركي من متاعب وارتفاع حجم المديونية الأميركية (ما يزيد على 15 تريليون دولار)، إلى درجة أصبح بعض الساسة الأميركان يعتبرها من العوامل التي تهدد الأمن القومي الأميركي، إضافة إلى ميل الشارع الأميركي إلى الانكفاء نحو الداخل.

ومما يعزز الرأي بأهمية دور أوروبا في المنطقة، هو اتخاذ الاتحاد الأوروبي سياسات ومواقف أكثر قرباً إلى تفهم طموحات الدول الصغيرة، حيث أصبح في السنوات الأخيرة أكثر اعتدالاً وإنصافاً في مواقفه السياسية من الولايات المتحدة، التي لا تزال تعتمد معايير مزدوجة وتمعن في تجاهل حقوق العديد من الشعوب حين تتلكأ في إنصافها، ومنها الشعب الفلسطيني، رغم قدرتها على فعل ذلك.

كان للعلاقات الأوروبية - الأميركية الوثيقة، التي تمتد إلى البدايات الأولى لحقبة الحرب الباردة، دور كبير في تحجيم دور القارة الأوروبية، وتخفيض سقف الخيارات أمام الاتحاد الأوروبي في رسم سياسات خارجية مستقلة عن سياسات الولايات المتحدة، إذ إن هذا الاتحاد لم يتمكن من صياغة سياسات أوروبية خارجية موحدة، بل كان ديدنه إنجاز توفيقات بين مواقف دوله المتباينة، والمتناقضة في بعض الأحيان، تجاه قضايا الشرق الأوسط.

لقد تراجعت فرص الحلول السياسية للأزمة السورية، بعد أن أصبحت مهمة المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي منسية، في خضم تسارع الأحداث ورفض النظام التفاوض مع المعارضة تمهيداً لتنفيذ اتفاقية جنيف، وتهديده بتوسيع ساحة الصراع وتصديره إلى دول أخرى مجاورة، كما ورد بشكل صريح في الحديث الذي أدلى به الرئيس السوري نفسه لفضائية روسيا اليوم.

من جانب آخر، تشهد ساحة الصراع أحداثاً أخرى قد تصبح مثيرة لاحقاً، وهي تدخلات محدودة وعلى استحياء، منها قيام الولايات المتحدة بنشر مائتي جندي في الأردن للتعامل مع حالات طارئة في حالة استخدام السلاح الكيمياوي، إضافة إلى تزويد المعارضة بمساعدات عسكرية غير قتالية، لا تتعدى السترات الواقية من الرصاص وعربات عسكرية مدرعة للدفاع عن النفس، إضافة إلى المساعدات الإنسانية.

الولايات المتحدة ترفض تسليح المعارضة، وأصبحت تميل أكثر من ذي قبل إلى ترجيح الحل السياسي، هكذا صرح وزير الخارجية الأميركية جون كيري، فالخطاب الذي دأب كبار مسؤوليها على ترديده حول ضرورة تنحي الرئيس السوري لم يعد يتردد كثيراً، إلا أنها لا تعترض على قيام دول أخرى بتسليح المعارضة.

من جانب آخر، لا يزال الاتحاد الأوروبي منقسماً حيال قرار تسليح المعارضة السورية، وقد سبق لكل من بريطانيا وفرنسا أن أعربتا عن استعدادهما لتسليح هذه المعارضة، على الرغم من قرار الاتحاد الأوروبي الرافض لذلك، إلا أنهما تفضلان أن يتم ذلك بموافقة الاتحاد وليس رغماً عنه. هذه الرغبة لا تزال قائمة، فهما ستؤكدان موقفهما الداعي لإنهاء قرار الحظر وليس إلى تمديده، في الاجتماع المقرر لذلك في مايو المقبل.

واستباقاً لذلك صرح وزير الخارجية الألماني غداة اجتماع مجموعة "أصدقاء سوريا" في إسطنبول مؤخراً، بأن بلاده "مستعدة لدرس رفع حظر الاتحاد الأوروبي على تصدير الأسلحة إلى المعارضة السورية، إذا قدمت دول أوروبية أخرى طلباً بهذا المعنى".

وأضاف "إذا رأت دولة أو دولتان في الاتحاد الأوروبي أنه ليس هناك خطر وقوع هذه الأسلحة في أيدي مجموعات أخرى، ستحترم ألمانيا هذا الرأي"، علماً بأن ألمانيا هي أبرز دول الاتحاد الأوروبي الرافضة لتسليح المعارضة السورية.

يبدو أن هناك فرصة لنجاح هاتين الدولتين في إقناع الدول الأوروبية بضرورة رفع الحظر عن تصدير السلاح للمعارضة السورية، خاصة بعد أن أبدى الاتحاد الأوروبي موقفاً ودياً منها حين رفع الحظر عن استيراد النفط من المناطق التي تخضع لسيطرتها.. وهي على أية حال فرصة أمام أوروبا للخروج من المعطف الأميركي.