هذا كان عنوان العمل المسرحي المتميز، الذي قدمه مجموعة من طلاب كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، في إطار حملة عنوانها "كيف نتعامل مع الإعلانات"، ويدور حول الممارسات الخاطئة في مجال الإعلان، عبر مواقف كوميدية راقية، تجلت فيها مواهب طلابية واعدة في كتابة النص، وفي الأداء المسرحي، وفي الإخراج، وهذا هو وجه التميز؛ إنه عمل طلابي خالص، وهو ما دفع المسؤولين عن الفن المسرحي في عجمان لحضور العرض والإشادة بالطلاب أصحاب المواهب الغضة.
والحق أن الإعلان يمثل شريان الحياة لوسائل الإعلام، ومن غير الممكن أن تحافظ أي منها على بقائها من دون الإعلان، فما يدفعه القارئ من مقابل للحصول على صحيفته اليومية، يمثل أقل من 30% من قيمة الورق الأبيض الذي تستخدمه، كما أن الإعلام صناعة تحتاج إلى مصادر مالية دافعة لحركته ومحافظته على وجوده بشكل مؤثر، في ظل وجود سلاسل إعلامية كبرى لا ترحم الكيانات الصغيرة، وهو ما جعل من الإعلانات مصدرا لا غنى عنه للوسيلة الإعلامية، سواء كانت مقروءة أو مسموعة أو مرئية.
فضلا عن تأثير الإعلان أحيانا على السياسة التحريرية للوسيلة، والجور على حق القارئ في أن لا تطغى المادة الإعلانية على أكثر من 30% من المساحة الصحفية، أو أهمية أن يفصل بين المادة الإعلانية والمادة التحريرية، وهو ما يفعله بعض الصحف وتغمض عنه الأخرى الطرف، وهذا ما يعد جورا على حق القارئ، كما أن المادة الإعلانية في الإعلام المرئي، يجب أن لا تتجاوز 12 دقيقة إعلانية في الساعة، غير أن ذلك لا يحدث دائما.
وإذا كان الإعلان يساعد في الترويج لسلعة ما، فإنه أيضا يصدر قيمة وثقافة بشكل مكثف ومؤثر، وخاصة على الأطفال والشباب، كما أنه يمارس دورا مهما في صناعة قرار شراء العديد من السلع.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى مجموعة من المطبات التي تتطلب التوقف والمناقشة، حتى لا يرتبط الإعلان دائما بفخاخ في التفاصيل تجعل القارئ أو المشاهد في حالة توجس عند تعرضه لمضمونه.. واحدة من هذه المطبات هي الجملة التي تذيّل العديد من إعلانات الشركات التي تقدم عروضا خاصة للسياحة والسفر، وهي "تطبق الشروط والأحكام"، والتي تخفي الكثير من التفاصيل المهمة الواجب أن تعلن، قبل أن يتكبد المشاهد عناء الذهاب إلى الشركة وتضييع الكثير من الوقت والجهد حتى يعرف الحقيقة التي كان من المفترض أن تقدم له ببساطة وشفافية.
أيضا من المطبات الإعلانية، أن تقدم منتجات عبر قنوات فضائية وتطيل في عرض مميزات المنتج، فضلا عن سعره المنافس والاستعداد لتوصيله عبر المندوب أو الشحن إلى باب البيت، عبر اتصال الراغبين في الشراء بأرقام هواتف يتم عرضها على الشاشة، دون أن تعرف لأصحاب هذا المنتج مكانا محددا تستطيع أن تراجعهم فيه عند حدوث مشكلة أو عند الرغبة في إرجاع أو استبدال أو إصلاح ما اشتريته، وهو من أبسط حقوق المستهلك.
من المطبات الإعلانية كذلك، ما يقوم به البعض من استغلال العواطف الدينية عند عامة الناس، بإطلاق لقب الإسلامية على منتجات ليست لها علاقة بذلك؛ مثل المفروشات، أو اللعب على أوجاع الناس وحاجاتهم، وخاصة إعلانات الأعشاب التي تشفي من أمراض السرطان أو التهاب الكبد الفيروسي، فضلا عن الإعلانات الخاصة بالإنجاب لمن حرمهم الله منه، دون أية معلومة عن الجهة المخولة إقرار نجاعة هذه الأعشاب في العلاج، والنظام الواجب اتباعه في التعامل معها، لأنه لا يمكن أن يأخذ إنسان دواء دون الالتزام بنظام علاجي حتى لو كان من الأعشاب، وهو ذات المطب الذي يعلن عن أدوية التخسيس التي يثبت في كثير من الأحيان أنها شديدة الخطورة على الجسم، ويتم سحبها من السوق بعد أن تكون فعلت بالناس ما فعلت.
واستمراراً في مسلسل المطبات الإعلانية، واستخفافا بالمشاهدين الذين يتعلقون بالأمل ولو كان ضعيفا في التخلص من معاناتهم، توقفت أمام إعلان عن فوائد العسل والأمراض التي تعالج عبر تناوله، وقلت؛ لا بأس في ذلك..
ولكن يبدو أن الرغبة في التسويق طغت على من يقدم الإعلان، للدرجة التي جعلته يتناول ما لا يجب تناوله، حين قال "هذا هو العسل الذي كان يشرب منه رسول الله"! ولا أدري كيف يسمح لهذا المضمون بأن يعرض في قناة فضائية عربية؟ وكيف يزج باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الترويج لسلعة تجارية؟!
ورغم أن الإعلان ييسر للناس سبل الحصول على احتياجاتهم وتحديد سبل تلبيتها، إلا أن من المطبات الدائمة ألا يسعى الإعلان إلى تلبية احتياجات الناس، ولكن في كثير من الأحيان يعمل على خلق حاجات وهمية وتحويلها إلى حاجات أساسية، وبيع ما هو غير ضروري لمن لا يحتاجه، وصناعة ثورة من التطلعات إذا لم تقابلها قدرة مادية تتحول إلى ثورة من الإحباطات تجعل الفرد يلجأ أحيانا إلى اتباع طرق غير مشروعة، للحصول على المال الذي يحقق له الحصول على ما شاهده.
من المطبات الإعلانية كذلك، المبالغة في المسابقات للترويج لسلعة ما، مما يعظم ثقافة ضربة الحظ بين الشباب وضرب قيمة العمل، وهي قيمة نحن في أمس الحاجة إلى تعظيمها ونشرها بين أبنائنا. ولأننا نعيش عصر السلع متعددة الجنسيات، فقد انتشر الإعلان الدولي عبر الفضائيات، والذي يحمل مضامين تتنافى بشكل كبير مع قيمنا، فضلا عن تنافي بعضها مع الذوق السليم.
إن للإعلان أهمية كبيرة في حياتنا، لأنه يضيء الطريق للمستهلك حول أفضل السبل لتلبية احتياجاته، أو هكذا ينبغي أن يكون.. لذا وجب أن تكون هناك رقابة ذاتية أولا، على صناعة الرسالة الإعلانية التي يشاهدها ويتأثر بها الأطفال قبل الكبار، وكذلك أهمية احترام قيم الشعوب وثقافتهم، وعدم السعي لفرض نموذج سلوكي موحد دون احترام خصوصية الشعوب.
ومن الأهمية بمكان أن تكون الأفكار الإعلانية نابعة من بيئة الجمهور الموجهة إليه، وهنا يتعاظم تأثيرها وتزداد درجة اقتناعه بمضمونها، فضلا عن تفعيل آليات الرقابة المؤسسية على ما يقدم من مضامين إعلانية، مع نشر الوعي وترشيد سلوك المتلقين في التعامل مع الإعلانات، حتى يمكنهم تجاوز تلك المطبات الإعلانية.