كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلاً تقريباً بتوقيت الإمارات، الثالثة ظهراً بتوقيت مدينة بوسطن الأميركية، عندما بدأت الأخبار تتواتر عن الانفجارين اللذين وقعا عند خط نهاية ماراثون بوسطن، يوم الاثنين الماضي، وكنت أضع يدي على قلبي خوفاً من أن تشير أصابع الاتهام إلينا نحن العرب والمسلمين، باعتبارنا رموز الإرهاب في العالم، وفرسانه الذين لا يشق لهم غبار في هذا الميدان.

ما هي إلا لحظات قليلة حتى وجدت الأصابع ضالتها في شاب سعودي، ذكرت صحيفة "نيويورك بوست" الأميركية أنه معتقل للاشتباه في دوره في التفجير الذي أودى بحياة ثلاثة أشخاص، وأدى إلى جرح آخرين، جروح بعضهم بليغة.

حدث إذن ما كناه نخشاه، ووجد المبتعث السعودي الشاب عبدالرحمن الحربي، الذي أصيب بجروح نتيجة وجوده في موقع التفجير، نفسه خاضعا للمساءلة والتحقيق، وكان الوحيد الذي تعرضت شقته للتفتيش من بين الذين كانوا يعالجون من جروحهم في المستشفى، وفقا لما كتبته "إيمي دافيدسون" كبيرة المحررين في مجلة "نيويوركر" الأميركية.

وقد تم تفتيش شقته "بدرجة مذهلة من العنف"، على حد وصف زملائه في السكن، في مقابلة مع صحيفة "بوسطن هيرالد" الأميركية أيضا، حيث اقتحمتها كتيبة من رجال الشرطة، وعملاء، ووحدتان من وحدات الكلاب البوليسية المدربة.

وكان هو الشخص الوحيد الذي نقلت أمتعته في أكياس ورقية، والكلام ما زال لكبيرة المحررين الأميركية، في الوقت الذي كان فيه جيرانه يراقبون ما يحدث، بينما خضع زميله في السكن، وهو طالب سعودي كذلك، لتحقيق استغرق خمس ساعات، قبل أن يخرج ليقول إنه لا يعتقد أن صديقه من النوع الذي يزرع القنابل، وإنه شاب طيب يحب الرياضة. وفي وقت متأخر من اليوم، قال وهو يغطي وجهه بيديه ويكاد يبكي، لمراسل كان يمشي وراءه من شبكة "فوكس" للأخبار: "دعني أذهب للبيت لو سمحت".

خلال دقائق من حدوث الانفجارين، كان الطالب السعودي، البالغ من العمر عشرين عاما، محور أحاديث الخبراء والمحللين وكتاب التقارير في الصحف وشبكات التلفزيون الأميركية، التي تبارت في طرح الأسئلة، ونشطت في استنباط الأحكام والاستنتاجات، لدفع الاتهامات في الاتجاه الذي يتوافق مع الصورة النمطية المعروفة عن العرب والمسلمين، والتي ترسخت وأصبحت أكثر وضوحا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

من الذي رسم هذه الصورة؟ ومن الذي رسخها؟ هذا سؤال كبير يحتاج إلى بحث واسع.

صحيح أن عبدالرحمن الحربي أصبح بعد ذلك شاهدا وليس مشتبها فيه، أو كما قال مسؤول أميركي لمحطة "سي. إن. إن" بعد زوال الاشتباه فيه: "كل ما في الأمر أنه كان موجودا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ".

ولكن هناك مئات الآلاف من المبتعثين العرب والمسلمين الذين يمكن أن يجدوا أنفسهم "في المكان الخطأ في الوقت الخطأ"، لا لأنهم إرهابيون، ولكن لأنهم مثل غيرهم من سائر البشر المنحدرين من جنسيات وأديان مختلفة، يمشون في الشوارع، ويستخدمون وسائل المواصلات، ويأكلون في المطاعم، ويتسوقون في المراكز التجارية، ويتنزهون في الحدائق، ويزورون المتاحف، ويدخلون دور السينما، ويدرسون في الجامعات، ويحضرون الأحداث الرياضية، ويركبون الطائرات.

ما حدث لعبدالرحمن يعيدنا إلى المربع الأول، رغم كل المحاولات التي بذلت لتجاوز هذه العودة، ورغم كل الجهود التي بذلت لتصحيح الصورة التي انكسر إطارها، وتشظت، وتطاير زجاجها مع غبار برجي التجارة العالميين في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.. مهما اختلفت الآراء حول تلك الأحداث، ومهما تباينت المواقف، ومهما انقسم المحللون بين منحاز لنظرية المؤامرة، ومصدق لما رآه من وقائع، واستمع إليه من أحاديث واعترافات، وشاهده من أدلة. فنحن لا نريد أن نعيد اجترار ما قيل عبر آلاف المقالات والتحليلات والمقابلات والندوات والبرامج التلفزيونية حول تصحيح الصورة، لأن تصحيح الصورة بعد شرخها أصعب بكثير من بنائها، وكلما كان الشرخ أكبر كان التصحيح أصعب.

كانت الساعة تشير إلى حوالي الثانية والنصف من بعد ظهر يوم الجمعة بتوقيت الإمارات، السابعة والنصف صباحا بتوقيت بوسطن، وكنا قد تجاوزنا موقف اتهام السعودي عبدالرحمن، عندما أعلنت الشرطة الأميركية أن المشتبه فيهما في التفجيرين شقيقان من أصل شيشاني، لديهما إقامة دائمة في الولايات المتحدة. سارعت إلى التلفزيون لمتابعة ما تقول الشبكات الأميركية؛ في محطة "فوكس" الإخبارية كان المذيعون الذين يتابعون عملية مطاردة الشقيقين المشتبه فيهما، يرددان كلمة "مسلمين" كل خمس دقائق. وضعت يدي على قلبي ثانية، بعد أن كنت قد رفعتها عنه عندما اتضحت براءة عبدالرحمن.. يبدو أننا قد عدنا إلى المربع الأول فعلاً.

نشر قسم شرطة بوسطن على موقعه في تويتر، بعد إلقاء القبض على الشاب الشيشاني الثاني الفار، تغريدة تفيد بأن "العدالة انتصرت، وقضي على الإرهاب"، فهل قضي على الإرهاب فعلا؟ بينما قال الرئيس الأميركي باراك أوباما في مؤتمر صحفي، بعد أن تم إغلاق فصل مهم من هذه المأساة: "أميركا ستستمر في الترحيب بسكان العالم للعيش على أراضيها والدراسة في جامعاتها".

ولكن إلى متى؟ متى سيتيح لنا الإرهابيون، والذين يفتحون شهية المبتدئين للإرهاب، ويعلمونهم كيف يصنعون المتفجرات في مطابخ بيوتهم، وكيف يختارون أهدافا يزهقون فيها أكبر عدد من الأرواح بكلفة رخيصة، وكيف ينشرون الذعر بلقطات دموية تنقلها الكاميرات في بث مباشر عبر شاشات التلفزيون، متى سيتيح لنا هؤلاء الإرهابيون، من كل الملل والأديان والأجناس، التعايش في سلام، وبناء صور جديدة غير قابلة للكسر والتشظي؟