التفاعلات السياسية في واشنطن بشأن الأزمة الكورية، الأسبوع الماضي، نموذج ممتاز لتأثير صراع المؤسسات على عملية صنع القرار. فقد انفجر جدل واسع النطاق، انطلقت شرارته الأولى من مجلس النواب، وطال جهاز الاستخبارات التابع للبنتاغون، ثم دخلت حلبة الصراع أجهزة ووزارات أخرى.

والحقيقة أننا نحن العرب كثيرا ما نغض الطرف عن صراع المؤسسات، كأحد المتغيرات المهمة لفهم عملية صنع القرار الأمريكي، وكثيرا ما يظن البعض أن واشنطن على قلب رجل واحد، في حين أن صراع المؤسسات يكاد يكون هو القاعدة لا الاستثناء.. ولننظر لما جرى الأسبوع الماضي.

وأصل الحكاية أنه بناء على الخفض الشامل للميزانية الأمريكية، الذي بدأ بالفعل نتيجة الفشل في التوصل لاتفاق بشأن الدين العام، عمد الرئيس أوباما إلى تنفيذ الخفض الشامل، بما في ذلك تخفيض الميزانية العسكرية.

وخفض الميزانية العسكرية يلقى معارضة الجمهوريين في الكونغرس، خصوصا ما اقترحه أوباما من تخفيض يصل لخمسمائة مليون دولار في تمويل برنامج الدفاع الصاروخي. لذلك استغل النائب الجمهوري داج لامبورن معلومة جاءت في تقرير لجهاز الاستخبارات العسكرية، ليحرج إدارة أوباما ويسائلها بشأن ذلك التخفيض.

غير أن الدنيا قامت ولم تقعد، بمجرد أن أعلن النائب ما أعلنه من معلومات. فجهاز الاستخبارات التابع للبنتاغون، كان قد تقدم مؤخرا للكونغرس بتقرير "سري" بخصوص الأسلحة النووية لكوريا الشمالية.

لكن التقرير السري احتوى على فقرة واحدة لم يشر إليها بالسرية، نصت على أن "جهاز المخابرات العسكرية يقرر بقدر معقول من الثقة، أن الشمال (يقصد كوريا الشمالية) يمتلك أسحلة نووية بالإمكان تحميلها على صواريخ بالستية، أما عن مدى دقة مثل ذلك السلاح فقد تكون محدودة".

وكانت تلك هي الفقرة التي استخدمها النائب الجمهوري، في إطار الصراع بين مؤسسة الرئاسة ومجلس النواب ذي الأغلبية الجمهورية، بخصوص تخفيض ميزانية نظام الدفاع الصاروخي.

لكن الإعلان عن تلك الفقرة فجر صراعا مؤسسيا أوسع نطاقا، فقد سارع جيمس كلابر، المدير العام لأجهزة الاستخبارات الأمريكية، أي السلطة الأعلى المشرفة على كل أجهزة الاستخبارات الأمريكية، بإصدار تصريح في اليوم نفسه، قال فيه إن ما جاء في تقرير الاستخبارات العسكرية لا يحظى بإجماع داخل عالم الاستخبارات الأمريكي، وأضاف أنه "لم يثبت حتى الآن أن كوريا الشمالية لديها كافة القدرات اللازمة حتى يكون لديها صاروخ نووي".

أكثر من ذلك، نأى المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع، بوزارته عن جهاز الاستخبارات التابع لها، فقال "ليس دقيقا أن نقول إن نظام كوريا الشمالية قد اختبر وطور ذلك النوع من القدرات النووية التي أشار لها التقرير". ودخلت وزارة الخارجية على الخط هي الأخرى، فقد استخدم جون كيري من سيؤول، المعاني والمفردات نفسها التي استخدمها المتحدث باسم البنتاغون.

والحقيقة أن موقف وزارة الخارجية الأمريكية، بناء على الاستخبارات التابعة لها، هو الأكثر رفضا لما جاء في التقرير، ويعكس في الوقت ذاته موقف الوزارة من الأزمة، وهو السعي لإثناء كوريا الشمالية عن التصعيد، وطمأنة الشعب الأمريكي والحلفاء في آسيا في الوقت ذاته.

ويقف جيمس كلابر ومعه المخابرات المركزية الأمريكية، موقفا وسطا بين موقف وزارة الخارجية وموقف جهاز المخابرات العسكرية. فكلابر رغم تحفظه على ما جاء في تقرير المخابرات العسكرية، صرح أمام لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس النواب، بأن "كوريا الشمالية أثبتت أن لديها قدرات تهدد الولايات المتحدة وتهدد الأمن في شرق آسيا".

ومن المفارقات الجديرة بالتأمل، أن صراعا مماثلا بين أجهزة الاستخبارات الأمريكية وبين المؤسسات الأخرى، مثل وزارتي الدفاع والخارجية، كان قد صاحب الاستعداد لغزو العراق في 2003.

وقتها، كاليوم، كان جهاز الاستخبارات العسكرية هو الأكثر تأكيدا على امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، إلا أن الفارق الأهم على الإطلاق بين الحالتين، هو أن الصراع المؤسسي المصاحب لغزو العراق لم يكن مجرد اختلاف في التقدير والرؤى، لأن إدارة بوش كانت قد قلبت العلاقة بين أفرع المؤسسة التنفيذية، والاستخبارات على رأسها.

فبدلا من أن تطلب تقدير الاستخبارات لتبني عليه قرارها، كانت قد اتخذت القرار بغزو العراق فعلا، وراحت تطالب الأجهزة بإيجاد معلومات تبرره.

بل أكثر من ذلك، أمرت الإدارة وقتها بالاطلاع على المعلومات الخام التي تجمعها الأجهزة، قبل إخضاعها للتحليل والفحص الذي يحدد مدى صدقيتها وإمكانية الاعتماد عليها.

أما في حالة كوريا الشمالية، فالمسألة بالفعل هي صراع مؤسسي عادي، قائم على اختلاف حقيقي في الرؤى. لكن الصراع المؤسسي يوازيه أيضا جدل سياسي داخل المؤسسات السياسية وخارجها، بشأن كيفية التعامل مع الأزمة الكورية الحالية.

فهناك تيار يرى أن التصعيد الراهن حلقة في سلسلة صارت معروفة ومكررة في سلوك كوريا الشمالية، فهي تبدأ عادة بتصعيد هدفه ابتزاز العالم للحصول على مساعدات مادية وغذائية، تعود بعد الحصول عليها إلى التصعيد من جديد لاحقا، وهكذا.

ومن هنا، يطالب هذا الفريق "بتركيع" كوريا الشمالية، على حد تعبير أحدهم، لئلا تعود للسلوك نفسه، عبر تهديدها بضربات استباقية حال شعور أمريكا بالخطر الحقيقي. ويقترح هؤلاء أن تقوم الطائرات الأمريكية بالتحليق في المجال الجوي لكوريا الشمالية، للتأكيد على جدية ذلك التهديد.

لكن هناك فريقا آخر أكثر عقلانية، يرى أن سياسة العقوبات والمفاوضات المشروطة فشلت في تحقيق الأهداف الأمريكية، ومن ثم صارت هناك حاجة لنهج جديد في السياسة الأمريكية، يقوم على بناء الثقة وإيجاد الحوافز لا التهديدات، الأمر الذي قد يبعد شبح الحرب النووية ويفتح الباب أمام حل جاد للصراع في شبه الجزيرة الكورية، والذي ظلت الولايات المتحدة طرفا أصيلا فيه منذ انتهاء الحرب الكورية.