ليس أقسى على النفس من الشعور بأن من يعمل يُكافأ كمن لا يعمل، وليس أقسى على النفس من أن من يعمل ويتميز يُكافأ كمن يعمل بغير تميز، وليس أخطر على الوطن من أن تصاب أجهزته الحكومية بالاسترخاء والشعور بأن العجلة تسير بصرف النظر عن كيف تسير، و ما هي سرعتها وسرعة من حولها، وأين مكانها في طابور السير، ثم إلى أين تسير؟ هل تسير في ذات المكان حيث لا ينتج عنها غير ضجيج لتصبح حالة صوتية لا أثر لها في الواقع؟ أم تسير إلى الأمام أحيانا وإلى الخلف أحيانا أخرى لتصبح المحصلة النهائية صفرا كبيرا؟
ولأن الإمارات دوما، بوعي وبإدراك شديد، ودراسة متأنية فاحصة لحركة التاريخ، وبرغبة صادقة من قيادتها تمدها إرادة لا تعرف اللين، وجهد لا يتسرب إليه الكلل أو الملل، أرادت أن تكون مسيرتها مبرأة من هذا المزيج المشوش..
كانت صيحة التميز الدائم التي أطلقها منذ ستة عشر عاما، وبالتحديد عام 1997، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لتنطلق مدوية بين أروقة الأجهزة التي تدير حركة الدولة، ولتصبح ثقافة التميز جزءاً من منظومة عمل يقبل التواضع، الذي هو من حسن الخصال، إلا في تحقيق الإنجازات، ولا يقبل التباهي والزهو، الذي هو من الصفات المذمومة، إلا في تحقيق الخير للشعوب والعزة للوطن.
انطلقت هذه الصيحة المباركة لتنتشر بين ربوع الوطن، لتملأه بالخير ولنرى آثارها في الدوائر الحكومية وغير الحكومية يوما بعد يوما، عبر تهيئة بيئة لا تعرف إلا الإبداع في ما تقوم به، ولا يمكن أن يتحقق التميز، الذي هو قائم على الفكر المبدع، إذا لم تكن هذه الدائرة ذاتها تؤمن به وتدعو له وتمارسه.
وهذا ما أكدت عليه القيادة السياسية، حين قالت إن تطوير الجهاز الحكومي للدولة هو تطوير للحياة، لأنه المنوط به تيسير حركة المجتمع، وضبط إيقاعه، وتحديد اتجاهات السير، ووضع الأولويات وسبل التغلب على التحديات التي ترى القيادة أنها فرص وليست تحديات، باعتبار أن التحدي يضاعف من الطاقة الإيجابية للفرد ليُخرج أفضل ما لديه، ولا شك أن تلك التحديات تضيف إلى الرصيد الحضاري للشعوب؛ وأمة لم تواجه تحديات هي أمة لم تعرف جوهر النجاح.
إن إشاعة ثقافة التميز في وطننا، لها خصوصية شديدة جعلتها تختلف عن كافة الدعوات التي عرفتها شعوبنا العربية، من جوانب عدة منها:
أنها لم تكن دعوة كما يقولون "حنجرية" تعتمد على الخطب الرنانة، والأغاني الوطنية، والمؤتمرات الحاشدة، واللجان المنبثقة التي لا حصر لها من القواعد الشعبية لقوى الشعب العامل، وقل ما شئت من المصطلحات الضخمة التي ضجت بها أسماعنا سنوات طوالاً، ولم تجن الشعوب من ورائها غير ضياع الهدف التي قامت من أجله في صراعات لا حدود لها..
لكنها دعوة حقيقة ومنطقية، تقوم على رؤية واقعية للوصول إلى هدف محدد وواضح، من القمة إلى أقل درجات السلم الوظيفي، وهو "تيسير وتجويد حياة الناس وإسعادهم"، باعتبار أن ذلك لن يتم إلا بتطوير الجهاز المعني بذلك وهو الجهاز الحكومي للدولة، الذي هو في الأخير يقوم على أداء البشر، وهو ما جعل كل فرد في هذا الكيان الكبير، يستشعر أن ما يقوم به من جهد غايته نماء الوطن وسعادة أبنائه الذين هو جزء منهم.
كان وضوح الرؤية إذن لدى القيادة السياسية وقدرتها على أن يتفاعل معها أبناء الوطن، من أهم أسباب تلك الحالة من التنافس المحموم، والذي يحمل الروح الإيجابية التي سرت في النفوس ووجهتها إلى طيب الفعال، كما أن هذه التجربة هي درس من دروس الوطنية، بل إن مدرسة التميز التي تنتشر آثارها بعدد حبات رمال أرضنا الغالية، هي البيئة الحقيقية للبحث عن مفهوم الوطنية الحق، والذي يستشعر من خلاله كل فرد أن هذا الوطن ملك له، كما أنه مشارك في بناء نهضته، ومن يشارك في البناء لا يمكن أن يكون يوما معولا للهدم، بل عنصرا فاعلا لتحقيق الإنجاز، كما أن من ذاق طعم النجاح لا يمكن أن يقبل بالتراخي أو الفشل.
كنت واحدا من الذين شرفوا بالعمل مع فريق المقيمين في إحدى معارك التميز، بل هي المعارك الحقيقية وجبهات القتال فيها هي مجالات الخير والإسعاد للبشر والأوطان؛ فمعارك الهدم والخراب والدمار ما أسهلها وتجارها كثر، لكن حراس الأوطان ومبدعي البناء قليل ما هم.
أقول، كنت واحدا من كتيبة المقيمين في واحدة من جولات الشرف، وشعرت ببالغ السعادة حين كان يتكرر أمامي سؤال من العديد ممن التقيت بهم، سواء كانوا أفرادا أو مديري دوائر: كيف الطريق إلى التميز؟ وما هي أدواته؟ وما المعايير التي يجب الأخذ بها؟ ومنهم من عقد الندوات للعاملين معه تمهيدا للحاق بمسيرة التميز، حتى ولو لم ينل منها غير شرف المحاولة، يكفى أنه ضمن الركب المظفر.
وهذا ما يجعلك تدرك بلا لبس أو غموض، أن الدعوة إلى التميز قد تحولت إلى ثقافة ومنهج إداري يسعى إليه الفرد بدوافع داخلية، رغبة منه في إثبات الذات والشعور بقيمة ما يؤديه.
ولاستكمال الصورة، لنا أن نتصور كيف هو حال من كرمته القيادة السياسية على رؤوس الأشهاد ثم يعود إلى عمله في اليوم التالي؟ هل سيقبل من لم يقدم ما يستحق التكريم أن يظل على هذا الحال طويلا؟ يقينا، لا.. لكنه سيطور أداءه، ويبحث عن نقطة تميزه ويعمل عليها، ترقبا للجولات القادمة، وقس على ذلك ما تشاء في كافة الميادين.
إن عبقرية الدعوة إلى التميز، التي عمت ربوع وطننا، تتمثل في جذوتها التي لم تهدأ، بل تزداد توهجا يوما بعد يوم، مدادها حب الوطن والرغبة في التغلب على التحديات، وهدفها دائما هو الذي لم تصل إليه بعد.. وغايتها ليست لها حدود تتوقف عندها، وهو ما يجعل السائرين في ركبها يتساءلون؛ وماذا بعد؟ دون التوقف كثيرا عند ما حققوه، لتجيء الإجابة من أصوات ضمائرهم: ليس إلا مزيدا من التميز ثم التميز.
فطوبى لمن أسس وبنى، وطوبي لمن حافظ ونمى، وطوبى لمن أحب هذا الوطن..