لا أعرف من هو المربي الفاضل الذي اقترح إضافة كلمة "التربية" إلى اسم "وزارات التربية والتعليم" في العالم العربي، عندما أنشئت أول "وزارة تربية وتعليم" فيها، وإن كنت واثقا من أنه كان طيب القلب حسن النية، لكنني أعتقد أنه قد ظلم هذه الوزارات بتحميلها مسؤولية "التربية" إلى جانب مسؤولية "التعليم" التي هي مسؤولة عنها بشكل أساسي، فلم يعد الناس راضين عن "التربية" التي تتصدر اسمها، كما لم يعودوا راضين عن "التعليم" الذي هو مهمتها الأساسية.

ليس هذا تجنيا على وزارات التربية والتعليم في دولنا العربية، ولا هو هجوم عليها، بل لعله أقرب إلى الدفاع عنها منه إلى الهجوم عليها.. فحين يكذب الطفل، وهو في المرحلة الأولى من تكوينه النفسي والأخلاقي والسلوكي، لا تكون "وزارة التربية والتعليم" التي تتبعها "المدرسة"، هي المسؤولة الأولى عن هذا السلوك غير الأخلاقي، لأنه لم يولد داخل المدرسة.

وإنما جاء إليها من البيت مكتسبا هذا السلوك أو لديه استعداد لاكتسابه. وحين يسرق الطفل، وهو في هذه المرحلة المبكرة من مراحل حياته، لا تكون "وزارة التربية والتعليم" هي المسؤولة الأولى عن هذا الانحراف الأخلاقي والسلوكي والاجتماعي.

وعندما تشكل مجموعة من الأطفال تنظيما عصابيا، ويعتدون على زميل لهم بالسكاكين والسيوف وأنواع الأسلحة المختلفة لأسباب تافهة، أو غير تافهة حتى، لا تكون "وزارة التربية والتعليم" هي المسؤولة الأولى عن البيئة التي تربى فيها هؤلاء الأطفال، ونوعية "التربية" التي تلقوها حتى اكتسبوا هذا السلوك الإجرامي، الذي لا نشاهده عادة إلا في الأفلام السينمائية المتخصصة في الجريمة والعنف، التي أصبح يقبل عليها الأطفال أكثر من أفلام الرسوم المتحركة والأفلام الهادفة المخصصة لهم.

وعندما يتعارك الإخوة الصغار داخل البيت، ويتعالى صراخهم، وتمتد أيدي بعضهم إلى بعض، لا تكون "وزارة التربية والتعليم" هي المسؤولة الأولى عن هذا العنف والسلوك العدواني الذي اكتسبوه من الألعاب التي يمارسونها من خلال أجهزة "البلاي ستيشن" و"الإكس بوكس" وغيرها، أمام سمع وبصر الآباء والأمهات، وبقية أفراد الأسرة الذين يمرون من أمامهم وخلفهم، غير آبهين بما يفعلون ويلعبون، ولا ناصحين لهم وموجهين كما يفرض عليهم الواجب وتقتضي منهم أصول "التربية".

حتى عندما يلقي جمهور كرة القدم من الشباب الزجاجات الفارغة والأدوات الحادة في الملعب، فيصيبون من فيه من لاعبين وحكام وإداريين، لأن نتيجة المباراة أو سيرها لم ينالا إعجابهم، فإن "وزارة التربية والتعليم" لا تكون هي المسؤولة الأولى عن هذا السلوك غير الرياضي .

ولا الأخلاقي، الذي يمارسه هؤلاء الشباب الذين جاؤوا من بيوتهم ليستمتعوا بلعبة من أكثر الألعاب متعة وإثارة، لا للتحول إلى غوغاء ومثيرين للشغب، كما نشاهد في ملاعب كرة القدم وغيرها من الألعاب ذات الشعبية والجماهيرية الطاغية.

لا نقول هذا كي نخلي "وزارة التربية والتعليم" من مسؤوليتها ونرفع العتب عنها، فهي شريك أساسي ومهم في كل ما ذكرناه وما لم نذكره من سلوكات أفراد المجتمع في كل مراحل حياتهم، لأنها شريكة في مرحلة التأسيس، لكنها ليست المتهم الأول والوحيد الذي تجب مطاردته وإلقاء القبض عليه ومحاكمته وتجريمه، مثلما يفعل البعض محاولا التهرب من واجباته ومسؤولياته ودوره في "التربية"، التي تبدأ من البيت أولا، ثم تأتي أدوار الجهات الأخرى بعد ذلك.

داعمة ومكملة لدور البيت الذي يجب أن يكون هو "وزارة التربية" الحقيقية المسؤولة عن الأبناء، قبل أن يلتحقوا بالمدارس والجامعات، وقبل أن يخرجوا إلى الحياة للتعامل مع بقية أفراد المجتمع، وفقا للأخلاق والمبادئ التي تربوا عليها في البيت، ونهلوا منها داخل أسواره.

لا شك أن ما نشاهده ونقرأ عنه من حوادث اعتداء بالأيدي والأسلحة البيضاء، وحالات شغب في الملاعب، يرتكبها أطفال وشباب في سن التكوين، تصب في اتجاه "نقص التربية" أكثر مما تصب في اتجاه "نقص التعليم". ولا شك أن الاتجاهين مرتبطان غير منفصلين، لكن "نقص التعليم" تمكن معالجته والتغلب عليه بتطوير المناهج.

وتحديث أساليب التدريس، وتهيئة البيئة المدرسية كي تكون جاذبة للطالب. أما "نقص التربية" فمشكلة كبيرة ومعقدة، تحتاج تضافر جهود جميع فئات المجتمع ومؤسساته ووزاراته وجمعياته، من قمة الهرم إلى القاعدة.

ارتفاع نسبة "التعليم" ليس دليلا على ارتفاع نسبة "التربية"، بدليل أن مجتمعنا قبل ستة عقود، عندما لم يكن هناك تعليم نظامي، كان أكثر أمنا وأقل عنفا وجريمة وانفلاتا منه الآن. صحيح أن تركيبة المجتمع السكانية كانت مختلفة عن تركيبته التي طرأ عليها الكثير خلال العقود الستة الماضية..

لكن هذا ليس مبررا كافيا، في رأينا، لهذا العنف الذي نراه ينتشر في أوساط الشباب، حتى لو كان ما نراه ونسمع ونقرأ عنه حالات استثنائية، فالاستثناء يتحول إلى قاعدة عندما لا نلاحقه ونقضي عليه في مهده، و"نقص التربية" يصبح أزمة عندما نستهين به ولا نعالجه في مراحله الأولى، وعندما نجعل منه مسؤولية الوزارة المظلومة، منذ أن أضاف ذلك المربي الفاضل حسن النية كلمة "التربية" إلى "التعليم" عند إنشائها، فأصبحنا نحاسبها عليها وحدها.