اللهاث وراء الشهرة

حدد عالم النفس الأميركي " أبراهام هارولد ماسلو" في نظريته السيكولوجية التي أطلق عليها اسم (هرم ماسلو) الحاجات الأساسية للفرد ضمن خمسة مستويات بدأها بالحاجات الفسيولوجية، ثم حاجات الأمان، الحاجات الاجتماعية، الحاجة للتقدير، وأخيراً الحاجة إلى تحقيق الذات. وجاءت نظريته بعد دراسة مستفيضة بنيت على ملاحظة المرضى النفسيين المترددين على عيادته. وأشار في نظريته إلى أن تلك الحاجات غير المشبعة قد تسبب توتراً عند الفرد، فيسعى للبحث عن إشباع لتلك الحاجات.

محور حديثنا هنا يدور حول الحاجة إلى تحقيق الذات والمرتبطة بحاجات الأنا، والتي يسعى الفرد من خلالها للبحث عن ذاته وتحقيقها من خلال استثمار قدراته ومهاراته ليحقق من خلالها أكبر قدر ممكن من الإنجازات في المجالات ذات الصلة بميوله واهتماماته.

حيث تقترن حاجات تحقيق الذات اقتراناً وثيقاً بالسعي وراء الشهرة وحب الظهور، وذلك خلافاً للشهرة المكتسبة. بمعنى أن قائمة المشاهير تحوي عدداً كبيراً من تلك الشخصيات التي اكتسبت شهرتها لأسباب عديدة يمكن ذكرها على سبيل المثال لا الحصر بالانحدار من عائلة عريقة كالأسرة المالكة البريطانية، أو بامتلاك الشخص لثروات طائلة جعلته ضمن قائمة الشخصيات الأكثر ثراءً في العالم كالأمير الوليد بن طلال، وقد يكتسب الشخص شهرته مقترنة بمهنة معينة كالطبيب أو الفنان، أو من خلال احترافه رياضة معينة ككرة القدم أو سباقات السيارات، وهلم جراً..

وما يميز هذه الشريحة من المشاهير هو اكتساب الشهرة المبنية على توارث لوضع اجتماعي معين أو أعمال تنسب إلى ذواتهم، أو قاموا بأعمال تتوافق مع طبيعتهم وهويتهم بغض النظر عن دينهم أو عرقهم، فهي في النهاية أفعال مقبولة ضمن حدود مجتمعاتهم وثقافاتهم.

وإذا ما تطرقنا إلى الجانب الآخر من عالم الشهرة، سنجد تلك الشريحة التي تحاول جاهدة أن تجد لها موطئ قدم ضمن قائمة المشاهير، غير مدركة بأنها قد تتعاطى مع ردة فعل عكسية ناتجة عن الشغف واللهث المبالغ فيه وراء حاجات تحقيق الذات، يجرهم إلى التنازل عن أسمى مبادئهم وقيمهم، محاولين الظهور بعباءة لا تمت بصلة لهويتهم، ولا يمكن أن تتقبلها مجتمعاتهم، وبالرغم من إمكانية تحقيقهم بعض النجاحات في مجال الشهرة، إلا أنهم لا يدركون بأنهم قد دفعوا الثمن غالياً في سبيل ذلك.

ويمكننا هنا أن نشبه هذه الشريحة بالعقد عندما تبدأ حبات اللؤلؤ بالتفلت منه الواحدة تلو الأخرى، ليصبح ذلك العقد في النهاية بلا هوية، بعد أن كان عقداً مميزاً. وهكذا عندما يبدأ الشخص بالتنازل عن مبادئه وقيمه، بل وأبعد من ذلك يبدأ بالمساومة على دينه، لتبدأ بعدها سلسلة التنازلات التي قد تتعارض مع مبادئ وأصول الدين التي لا يمكن تجاوزها كونها مسلمات تتفق مع المنطق والطبيعة البشرية، وينساق لها الإنسان طوعاً ودون تردد.

أن نثير ضجة إعلامية واهية، أو نحاول الظهور بصورة مغايرة لحقيقتنا وطبيعتنا، فنحن بلا شك بدأنا الرحلة إلى عالم التنازلات، وعلى الإنسان أن يراجع مساره، فلا مانع من الشهرة، ولكن ضمن حدود العقل والمنطق، ومن منبع النفس وحقيقتها، ودون المساس بأصول الدين والمبادئ والقيم المثلى التي تقوم عليها المجتمعات.

 

شعور جميل جداً يعيشه ذلك الشخص ذو الشهرة اللامعة، فهو يعيش مشبعاً حاجات تحقيق ذاته، تغريه صورته التي تغطي أغلفة المجلات، واسمه الذي يتصدر عناوين الصحف، بل ذلك الـ "hashtag" في قناة التواصل الاجتماعي الذي يحمل اسمه ... ولكن الشعور الأسمى من ذلك كله هو ذلك الذي ينبع من أعماق الوجدان، الممزوج بالقناعة بما نقدم عليه من تصرفات.

وما ينسب إلينا من أفعال، تلك المنسجمة مع تعاليم ومبادئ ديننا وعاداتنا وتقاليدنا، فقيمة الإنسان ليس بموقعه ضمن قائمة المشاهير، بل بما يقدمه لوطنه ومجتمعه وللبشرية جمعاء، فذاك العالم الرباني الذي نفع الله الناس بعلمه وأخمد الفتن والمحن على لسانه ومواقفه، والعالم الذي اكتشف دواء شفى به آلام آلاف المرضى على مستوى المعمورة، أو ذاك من ابتكر ابتكاراً علمياً سهل به سبل حياة البشر.

وشخص نال جائزة نوبل للسلام لإرسائه بعض أسس دعائم السلام العالمي وغيرهم ممن كانت لهم إسهامات عادت بالنفع للكون وسكانه، فشهرة هؤلاء هي أسمى وأنفع من شهرة من يلهثون وراء صناعتها بشتى السبل دون وازع من قيم أو أخلاق، فتظل شهرتهم في النهاية شهرة واهية، لم تكتمل معها مقومات وأسباب النضوج والثبات، وما تلبث أن تطفو على سطحها بعض الصفات المتناقضة لصاحبها، حيث قال أحمد شوقي في وصف أمثال هؤلاء " تغطي الشهرة على العيوب كالشمس غطى نورها على نارها".. فتباً لمثل هذه الشهرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

 

تعليقات

تعليقات