للتاسع من أبريل الذي مر قبل ثلاثة أيام موقع متميز في الذاكرة البغدادية الثرية التي تحتفظ بالأحداث المثيرة منذ ظهرت وورد اسمها في النصوص المسمارية بصيغتين هما: بكدادو وبكدادا في الألف الرابع قبل الميلاد. فطالما كانت هذه المدينة التي تقع في مركز أرض خصبة ثرية معطاءة مطمح الغزاة عبر التاريخ.
إلا أن شعار "التحرير" لم يرد إلا مرتين، أولاهما مع دخول القوات البريطانية بقيادة الجنرال مود عام 1917 وآخرها مع دخول القوات الأميركية بقيادة الجنرال فرانكس عام 2003. والآن وبعد مرور عشر سنوات على سقوط العاصمة العراقية وإسقاط النظام العراقي السابق وبناء نظام آخر على أنقاضه بإشراف أميركي لنا أن نتساءل عن حصاد هذه السنوات العشر؟ وعن العوامل التي تكمن وراء هذا الحصاد؟
أعيد بناء الدولة العراقية على أسس ديمقراطية تسمح بتصفية آيديولوجية الحزب الواحد وفق نظام برلماني لا يسمح بصعود حزب أو فرد إلى سدة الحكم إلا من خلال انتخابات شرعية، وإن صعد فليس له القدرة على الاستئثار به من خلال الضوابط التي تلزمه بالعمل وفق الثوابت التي تتيحها له الأسس التي بنيت عليها الدولة.
فهناك دستور وهناك مجلس نيابي منتخب ومجلس رئاسي وآخر وزاري وهناك مجلس للقضاء الأعلى ترتبط به المحكمة الاتحادية يفترض حسب الدستور أن يكون مستقلاً، وهناك هيئات مكملة لبنيان الدولة مثل المفوضية العليا للانتخابات والبنك المركزي وديوان الرقابة المالية وهيئة الإعلام وهيئة النزاهة، يفترض أيضاً أن تكون مستقلة، تعمل تحت رقابة المجلس النيابي. هذه الركائز هي من دون شك مقومات الدولة الديمقراطية الحديثة. ولكن هل تستطيع الدولة بهذه الركائز فقط ممارسة أنشطتها بشكل صحيح يتفق مع المبادئ الديمقراطية؟
الجواب عن ذلك يكمن في حصاد السنوات العشر وهو حصاد مر لا يختلف في تشخيصه اثنان، إذ لا أحد يختلف مع حقيقة أن العملية السياسية الجارية في العراق قد فشلت فشلاً مدوياً ووصلت إلى طرق مسدود وملغم يفتح الأبواب على مصراعيها لمسارات خطيرة جداً تتعلق بمستقبل العراق كدولة.
ولسنا بصدد الدخول في تفاصيل ذلك فقد كتب وقيل فيها الكثير جداً، إلا أن المهم في هذا السياق هو التساؤل والبحث عن أسباب ذلك؟ وعن المسؤول عنه؟ وهي تساؤلات لا يمكن استبعادها حين يراد تقويم حقبة عشر سنوات مرت بها أحداث جسام ولا تزال تزخر بأخريات قادمات في ظل الأوضاع الشديدة التأزم التي يعيشها العراق وفي ظل أوضاع المنطقة القلقة التي تهدد بالتصعيد.
يُرجع البعض سبب الفشل إلى الإخلال بمبدأ الشخص المناسب في المكان المناسب وإن المراكز القيادية في هرم الدولة قد أشغلها بعد سقوط النظام من هو ليس مؤهلاً لها سواء من حيث غياب الرؤية أو غياب البرامج السياسية.
ويُرجع آخرون سبب الفشل إلى التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي ومساعدة الجماعات الإرهابية على جعل الوضع الأمني مانعاً لاستقرار البلد وتحسين الخدمات وجلب الاستثمارات التي يحتاج العراق إلى الكثير منها للإسراع بإعادة البناء.
وهناك طرف ثالث يرى أن الخلافات التي تزداد عمقاً بين النخب السياسية هي التي تقف وراء جميع ما لحق بالعراق من تلكؤ في النهوض منذ سقوط النظام السابق. وهناك طرف رابع يعتبر الفساد المالي والإداري المستشري في جسد الدولة هو السبب الرئيس لذلك، في حين يرى طرف خامس أن من جاء إلى الحكم بعد الاحتلال يحمل أجندة مفادها أن الدولة التي ينبغي أن تبنى يجب أن تكون دولة طائفة لأن الدولة التي أسقطت كانت دولة طائفة أخرى.
والحقيقة أن مختلف هذه التحليلات فيها قدر من الصحة لأنها تعبر عن واقع الحال في العراق إلا أن السؤال يبقى مطروحاً لأن جميع هذه السلبيات هي تحصيل حاصل وليست الأسباب الجوهرية للفشل. الحديث عن العموميات التي تتعلق بهيكل الدولة لا يكفي للتعرف على جوهرها، فالدستور الذي يرسم ملامح الدولة يحتوي على الكثير من الالتباسات والإشكالات.
وهو بحاجة ماسة للمراجعة وبحاجة كذلك إلى تشريع القوانين التكميلية التي تتناول الأبواب والبنود والمواد الواردة فيه. كما أن المجالس المختلفة التي أشرنا إليها هي الأخرى بحاجة إلى قوانين تحدد طريقة تشكيلها بشكل ديمقراطي حقيقي وأنظمة تحدد الصلاحيات التي يتمتع بها كل مسؤول وأسلوب ممارسته لهذه الصلاحيات وآليات تنفيذها.
لنا هنا أن نخالف ما ذهب إليه الكاتب العالمي "دان براون" في عبارته الشهيرة "الشيطان يكمن في التفاصيل" والتي تبناها البعض الذي يدعو إلى الأخذ بالعموميات والكليات واعتمادها كأساس في إصدار الأحكام. فحين ندخل في التفاصيل نرى صورة أخرى للدولة لا تتفق مع المفاهيم الديمقراطية. فالدستور يوضع على الرف في مناسبات عديدة ويؤخذ بالتوافق كبديل له.
كما أن مجلس النواب الذي يعتبر أهم مؤسسة في الدولة لأن المجلس الرئاسي ومجلس الوزراء ينبثقان عنه ينتخب بطريقة فيها الكثير من العيوب وذلك بسبب قانون الانتخابات المعمول به الذي يسمح بصعود أشخاص لم يحصلوا على أصوات تسمح لهم بذلك. فالمجلس النيابي الحالي الذي يبلغ عدد أعضائه ثلاثمائة وخمسة وعشرين نائباً حصل منهم ثمانية عشر نائباً فقط أصواتاً تسمح لهم بالجلوس تحت قبته.
ورغم أن هذه الثغرات معروفة ومكشوفة إلا أن مجلس النواب قد فشل في تشريع قانون انتخابات جديد لتعديل الواقع الحالي الشاذ، وفشل في تشريع قانون لتنظيم عمل الأحزاب ووضع الضوابط لها وإلزامها بالكشف عن ارتباطاتها وعلاقاتها والكشف عن مصادر تمويلها. كما أن هناك فراغاً كبيراً يسمح بتجاوز القيم الديمقراطية بسبب عجز الفرقاء في التوصل إلى صيغ قوانين وأنظمة تسد الفراغ الذي يسمح بتفسيرات مطاطة وانتقائية للدستور.
سبب الفشل الجوهري هو طبيعة العملية السياسية التي اقتسم بها الوطن إلى قطاعات جغرافية واجتماعية، فهي عملية لا تصلح لبناء دولة ديمقراطية حقيقية بل تبني دولة الطوائف لا دولة المواطنة. الدولة تعني المواطنة ويمكن القول دون تحفظ أن العشر سنوات المنصرمة لم تكن فترة مخاض لتكوين الدولة بل كانت فترة مخاض لإنهاء الدولة والإجهاز عليها.
فمشروع الدولة هو مشروع الوطن إلا أن ما يطرح من مشاريع بعيدة عن ذلك، فمفهوم الوطن مختلف عليه وبالتالي مفهوم الدولة.