رغم التصعيد المتبادل بين الولايات المتحدة الأميركية وكوريا الشمالية، فإن نذر الحرب النووية تتوقف على أداء واشنطن وردود أفعالها في المرحلة القادمة. وبغض النظر عن الكيفية التي ستنتهي بها الأزمة الراهنة، فإنها كشفت بوضوح عن فشل السياسة الأميركية تجاه شبه الجزيرة الكورية، طوال ستين عاما.

والأزمة الراهنة تفجرت من خلال دائرة لم تنته بعد، من الاستفزاز والتصعيد المتبادل، كانت نقطة البدء فيها من كوريا الشمالية حين اختبرت صاروخا نوويا طويل المدى في ديسمبر الماضي، وهو الذي اعتبرته الولايات المتحدة وحلفاؤها استفزازا وخرقا لالتزامات بيونغ يانغ الدولية، ونجحت واشنطن من خلال الأمم المتحدة في فرض المزيد من العقوبات على بيونغ يانغ.

لكن كوريا الشمالية اتخذت موقف التحدي، وقامت بتجارب نووية أخرى في فبراير، نتج عنها المزيد من العقوبات. إلا أن ما شكل استفزازا لكوريا الشمالية، كان أن الولايات المتحدة جلبت في تدريباتها العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، القاذفات النووية المعروفة باسم "بي 2" في رحلة ذهاب وإياب بلا توقف، في إشارة إلى أن الولايات المتحدة قادرة على حماية حلفائها في المنطقة، من كوريا الجنوبية إلى اليابان.

وقد أدى ذلك إلى أن كوريا الشمالية أوقفت العمل باتفاق الهدنة، الذي انعقد تحت رعاية الأمم المتحدة في نهاية الحرب الكورية عام 1953، واعتبرت أنها بمقتضى ذلك في حالة حرب، ليس فقط مع كوريا الجنوبية وإنما مع الولايات المتحدة. وأعلنت أنها تستعد لتوجيه ضربات للولايات المتحدة، بما في ذلك ضربات نووية، سواء لعمق الأرض الأميركية أو للقواعد الأميركية في المحيط الهادئ. وأوقفت العمل من خلال الخط الساخن مع سيؤول، والذي أقيم خصيصا لنزع فتيل الأزمات.

والحقيقة أن مثل هذا التصعيد من جانب كوريا الشمالية ليس جديدا، إذ حدث أكثر من مرة من قبل، لكن الجديد هو التهديد باستخدام السلاح النووي في المواجهة.

وقد اتسمت لهجة بيونغ يانغ بالتحدي في ما سمته "بلحظة الانفجار" ضد الولايات المتحدة، الأمر الذي قوبل بالمزيد من التصعيد الأميركي، حيث أعلنت الولايات المتحدة أنها تأخذ تهديدات بيونغ يانغ بكل جدية وعليه فإنها بصدد الإسراع في نشر نظام للدفاع الصاروخي في جزيرة غوام، التي تطالها بالفعل الصواريخ الكورية.

وأعلن وزير الدفاع الأميركي أن البنتاغون سينفق مليار دولار خلال السنوات الخمس القادمة، لزيادة قدرات بلاده على اعتراض الصواريخ الكورية الموجهة نحو سواحل أميركا الغربية.

ووقعت الولايات المتحدة مؤخرا اتفاقا عسكريا مع كوريا الجنوبية يسمى "برنامج مواجهة الاستفزاز"، تشترك بمقتضاه واشنطن مع سيؤول في مواجهة الاستفزازات المحلية والصغيرة، الأمر الذي يجعل الولايات المتحدة طرفا في أية منازعات، مهما كانت محدودة، بين الكوريتين.

وقد قوبل التصعيد الأميركي بتصعيد آخر من كوريا الشمالية، أوقفت فيه استقبال العاملين من كوريا الجنوبية الذين يعملون في مجمع صناعي داخل أراضيها على الحدود مع الجنوب، يشترك في العمل فيه أبناء الكوريتين، وظل منذ افتتاحه في 2004 رمزا لمستقبل التعاون بين البلدين. كما أعلنت عن إعادة فتح مفاعل نووي لإنتاج المزيد من البلوتونيوم، كانت قد أغلقته في 2006 بموجب اتفاق مع الأمم المتحدة، ثم نشرت بيونغ يانغ على سواحلها الشرقية صواريخ نووية. لكن كوريا الجنوبية والكثير من المحللين العسكريين، يرون أن نشر تلك الصواريخ ليس بغرض الهجوم، وإنما بغرض إجراء اختبارات نووية جديدة.

ومن هنا، فإن ردود أفعال الولايات المتحدة في الأسابيع القليلة القادمة، من شأنها أن تنزع فتيل الأزمة. فلو أن بيونغ يانغ فعلت ما اعتادت عليه وقدمت مسبقا إنذارات للملاحة البحرية، وحددت مسارا للصواريخ لتنطلق مباشرة إلى أعالى البحار، فسيكون أمام واشنطن بديلان، أولهما أن تعترض الصواريخ فيزداد التصعيد تفجرا، أو أن تترك الصواريخ لتسقط في أعالي البحار، فتكسب أرضية على المستوى الإقليمي، تساعدها على المزيد من الضغوط لاحقا على كوريا الشمالية. غير أن هناك اختلافات واضحة داخل الإدارة الأميركية، حول كيفية التعامل مع الأزمة الكورية، بين داع للتصعيد ومطالب بنزع فتيل الأزمة.

والحقيقة أن الوضع في شبه الجزيرة الكورية، يكشف عن فشل السياسة الأميركية منذ نهاية الحرب الكورية في الخمسينات. فالحرب كانت أحد تجليات الحرب الباردة، واعتبار الولايات المتحدة أن النظام الشيوعي في كوريا الشمالية يمثل تهديدا حقيقيا للمصالح الأميركية.

المفارقة هي أن سقوط الاتحاد السوفيتي وانتفاء الخطر الشيوعي، لم يؤديا بالولايات المتحدة إلى إجراء تحول يذكر في رؤيتها للوضع في شبه الجزيرة الكورية ولا تجاه كوريا الشمالية، بالضبط كما هو الحال مع كوبا التي ظلت لعقود طويلة، بعد انتهاء الحرب الباردة، تمثل "تهديدا" لأميركا!

وقد أدت سياسات أميركية في مناطق أخرى من العالم، لعل أهمها غزو العراق، إلى إيمان بيونغ يانغ بأن امتلاك السلاح النووي هو السبيل الوحيد للحماية (حماية النظام السلطوي، لا شعب كوريا الشمالية بالمناسبة) في مواجهة الولايات المتحدة.

أكثر من ذلك، يؤكد الخبراء العسكريون أن الاختبارات النووية التي أجرتها كوريا الشمالية، لا تشير إلى امتلاكها القدرة على ضرب العمق الأميركي، ولكنها توضح قدرتها على الوصول لولايتين أميركيتين في المحيط، هما ألاسكا وهاواي، فضلا عن أن تلك الصواريخ تطال أيضا اليابان إلى جانب كوريا الجنوبية، وهو ما يمثل في ذاته فشلا مدويا للسياسة الأميركية.

ومن هنا، فإن الجمع في السياسة الأميركية بين الاستفزاز والعقوبات والسعي لتغيير النظام، لم يؤت أثره. أما وقد صارت بيونغ يانغ تمتلك السلاح النووي، فلم يعد هناك حل سوى طريق المفاوضات.