من حق أي فصيل أو جماعة أن تخطط وتعمل وتسعى إلى الحكم، إذا ما اختارت الطريق الصحيح إلى ذلك وفقاً لقوانين البلد الذي تعمل فيه، سواء كان هذا الطريق الصحيح مباشراً، أو من خلال تأسيس حزب سياسي يستمد مرجعيته من ذلك الفصيل أو تلك الجماعة، إذا سمح النظام بذلك..

 تماماً مثلما هو حق مشروع لبقية الأحزاب، بغض النظر عن انتماءاتها، يمينية كانت أو يسارية أو ليبرالية أو غير ذلك، وفقاً للتصنيفات المتعارف عليها في عالم السياسة، لأن الإقصاء في الأنظمة الديمقراطية العريقة غير وارد.

والدليل على هذا أن المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" التي تتولى رئاسة الحكومة في جمهورية ألمانيا الاتحادية، تنتمي إلى حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي"؛ أحد أبرز الأحزاب السياسية في ألمانيا، وتتولى رئاسة الحزب منذ انتخابها عام 2000، كأول رئيسة بروتستانتية تتولى هذا المنصب في حزب له جذور مسيحية كاثوليكية.

نقول هذا لنبين أن الفصائل والجماعات لها تطلعاتها وطموحاتها السياسية، رغم أن الكثيرين يصمون السياسة بالقذارة، وينصحون الجماعات الدينية بالابتعاد عنها، وحصر دورها في النشاط الدعوي، وفقاً للأسس التي قامت عليها كما تدّعي في الظاهر. ونقوله لإبعاد الرموز الدينية الكبرى عن هذه الفصائل والجماعات، لأن هذه الرموز هي صمام الأمان عندما تنحرف الفصائل والجماعات عن الطريق السليم.

وممارسة أدوارها الصحيحة، فتنغمس في العمل السياسي الذي يلوثها، ويعميها التكالب على السلطة والصراع من أجلها، عن القيم التي يفترض أن تكون قد تأسست من أجل إعلائها في المجتمع، ونشرها بين الناس الذين أصبح جزء كبير منهم يناصب تلك الفصائل والجماعات العداء، بعد أن كان يحترمها، حتى وهو يختلف معها فكرياً أو مذهبياً أو عقائدياً. "الأزهر" واحد من هذه الرموز الدينية الكبرى التي يكن لها الجميع، مسلمين وغير مسلمين، من الاحترام والتقدير ما يرفعه فوق الخلافات والصراعات السياسية والسلطوية التي تنسي الدعاة دورهم الأساسي.

وتحولهم إلى أدوات في أيدي القيادات المتطلعة إلى المناصب والكراسي. وقد وعى "الأزهر" طوال تاريخه الممتد لأكثر من ألف عام، دوره القيادي هذا، فترفع عن الخلافات السياسية والصراعات على كراسي الحكم ومواقع السلطة، وإن كان لم يتخل عن دوره في التصدي لظلم الحكام والسلاطين، وفي مقاومة المحتل ودحر العدوان عن الوطن.

حدث هذا إبّان الدولة العثمانية عندما اعتدى الأمراء المماليك على بعض الفلاحين المصريين، فلجأ الفلاحون إلى شيخ الأزهر لرفع الظلم عنهم، وقد انتصر شيخ الأزهر لهم حتى دفع الأمراء إلى الالتزام بإبطال المظالم وإلغاء الضرائب، والكف عن سلب أموال الناس.

وحدث أيضاً إبّان الاحتلال الفرنسي لمصر أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، حيث كان للأزهر الدور الأكبر في مقاومة الاحتلال، حتى اضطر الفرنسيون إلى الرحيل عن أرض الكنانة، بعد ثلاث سنوات تكبدوا خلالها الكثير من الخسائر، وخرجوا منها خائبين.

نستذكر هذا التاريخ ونحن نرى "الأزهر" يتعرض اليوم لحملة شعواء من فصيل ديني وصل إلى السلطة واستحوذ عليها في ظروف ملتبسة، ويحز في نفوسنا أن نرى شيخ الأزهر وعلماءه الأجلاء مستهدفين من قبل الذين يقفون وراء هذه الحملة، في الوقت الذي يقف فيه الأزهر وعلماؤه مدافعين عن استقلالية صرحهم العظيم، مصرين على بقاء هذه المؤسسة الدينية العريقة بعيدة عن الفصائل والجماعات التي تحاول التسلل إليها عبر تشويه رموزها، وافتعال الأزمات والمشكلات لإزاحة القائمين على مؤسساتها المختلفة من أماكنهم، وإحلال رجالهم وأتباعهم في تلك الأماكن.

وهو ما لن يحدث، لأن "الأزهر" الذي فقد استقلاله المادي عندما وضعت الدولة يدها على أوقافه فأفقرته، وحولته إلى مؤسسة حكومية، وأسندت صلاحية تعيين شيخه ووكيله ورئيس جامعته وعمداء كلياته إلى رئاسة الجمهورية، هذا "الأزهر" لم يفقد مكانته لدى المسلمين، وغير المسلمين أيضاً، لأنه كان دائماً يمثل الوسطية والاعتدال، وينبذ التطرف والتشدد، فهو صمام أمان وضمانة للسلام الاجتماعي بين الشعوب متعددة الأديان والمذاهب والثقافات.

تسييس "الأزهر" سيؤدي إلى ازدياد التشدد والتعصب الديني المقيت، وتغييبه سيؤدي إلى المزيد من فوضى الفتاوى التي تنتشر الآن محدثة بلبلة تهدد السلام الاجتماعي داخل البلد الواحد، ناهيك عن بلدان العالم الإسلامي الأخرى. لذلك يجب إبعاد "الأزهر" عن العمل السياسي وسباق الاستحواذ على السلطة، كما تجب المحافظة على استقلاليته.

ودعمه كي يقوم بالدور الكبير المنوط به، إذ لا يتصور أحد أن لا تكون للأزهر حتى الآن قناة تلفزيونية تعبر عنه، في الوقت الذي توجد فيه لكل التيارات والجماعات الدينية وغير الدينية والأفراد، قنوات فضائية تعبر عنهم! "

الأزهر" ليس فصيلاً أو جماعة أو حزباً سياسياً، وإهانة شيخ الأزهر أعظم من انتقاد أداء رئيس الجمهورية، لأن شيخ الأزهر رمز ديني كبير، أما رئيس الجمهورية فليس أكثر من موظف عام انتخبه الشعب لقضاء مصالحه، ومساءلة من يهين شيخ الأزهر ألزم من مساءلة من ينتقد أداء رئيس الجمهورية.

"الأزهر" سلطة ناعمة يجب أن نعرف كيف نستخدمها بشكل صحيح ومثالي، كي نحفظ للمجتمع أمنه وسلامته، وكي نعيد للأمة الإسلامية دورها العظيم الذي لن يعود إلا بعودة دور "الأزهر" إليه، وإلى شيوخه وعلمائه الأجلاء الوسطيين المحترمين.