الأزمة المالية العالمية ومدققو الحسابات

إن وضع السياسات والخطط الإستراتيجية الاقتصادية في أي مجتمع يعتمد في المقام الأول على توفر وجودة المعلومات والبيانات المالية، وأهمية المعلومات الصحيحة تكمن في أنها تساعد صانع القرار على وضع الخطط التي تساعد في توجيه موارد المجتمع الطبيعية والبشرية وزيادة كفاءتها مما يساعد على نمو الاقتصاد وزيادة رفاهية المجتمع.

والبيانات أو القوائم المالية للشركات والتي يتم تدقيقها أو مراجعتها من بيوت الخبرة أو مدققي الحسابات المستقلين على وجه الخصوص تعتبر من أهم هذه المعلومات التي تساعد على وضع الخطط الفعالة التي تساعد على النمو المستدام للاقتصاد، ولذا فإن القوانين في جميع دول العالم تؤكد على أهمية وجود آلية تضمن دقة ونزاهة هذه البيانات المالية عن طريق إلزام الشركات بتعيين مدقق حسابات خارجي ومستقل، ويكون تعيين المدقق وتقدير أتعابه من ضمن الصلاحيات الممنوحة للجمعية العامة للمساهمين، ولذا فإن المدقق هو العين الساهرة على مصالح المساهمين والمجتمع.

ويتربع على عرش مدققي الحسابات في العالم أربع شركات كبرى هي "برايس وتر هاوس كوبر" و"ديلويت" و"ايرنست يونغ" و"كي بي إم جي" ويبلغ دخلها مجتمعة في عام 2012 أكثر من 100 مليار دولار.

وتعتبر شركة "برايس ووترهاوس كوبرز" من أكبر هذه الشركات من حيث عدد الموظفين والدخل، حيث يبلغ عدد موظفيها ما يقارب 180 الف موظف ينتشرون فيما يقارب من 159 دولة ودخلها في عام 2012 قارب 31 ملياراً وهذا الدخل ينقسم إلى 14.9 مليار دولار دخل من أعمال التدقيق والمراجعة و7.8 مليارات من أعمال الاستشارات المتعلقة بالضرائب و8.7 مليارات دولار من أعمال الاستشارات والخبرة المتنوعة.

وللتدليل على أهمية عمل مدقق الحسابات، فقد أدى تلاعب الإدارة التنفيذية لشركة "إنرون" العالمية للطاقة في عام 2001 في القوائم والبيانات المالية للشركة إلى انهيار الشركة وفقدان الثقة في السوق الأميركي من قبل المستثمرين العالمين وخسارة المساهمين وصناديق التقاعد لما يقارب من 11 مليار دولار أميركي، وكانت تبعات هذه الفضيحة إعلان إفلاس شركة "إنرون" وحل شركة "آرثر أندرسون" مدقق حسابات "إنرون"، والتي لم تقم بإعطاء رأي محايد ومستقل عن نزاهة البيانات المالية للشركة ولم تقم كذلك بالتنبيه على المساهمين من وجود غش وتدليس في البيانات المالية ولكن "آرثر أندرسون" غلبت مصلحتها في الحصول على مبالغ ضخمة من عقود الاستشارات المقدمة لها من قبل الإدارة التنفيذية على مصلحة المساهمين الذين قاموا بتعيينها كمدقق لحسابات الشركة.

وتبعا لهذه الفضيحة المزدوجة، فقد قام الكونجرس الأميركي بإصدار قانون "سوربان أوكسلي" للحوكمة في عام 2002 والذي ألزم الحكومة الامريكية بإنشاء هيئة تنظيمية مستقلة للرقابة والإشراف على مدققي الحسابات لتفادي حدوث كارثة جديدة، والهيئة هي مجلس الرقابة على مراجعي حسابات الشركات العامة الأميركية (PCAOB).

والهدف من إنشاء المجلس هو حماية المستثمرين والمساهمين عن طريق التأكد بأن مدقق الحسابات قام بالدور المنوط به على أكمل وجه، وأنه ليست هناك أي شبهة تضارب مصالح، ويقوم المجلس بالتفتيش على عينات من أعمال مدقق الحسابات للتأكد من كفاءة عمل المدقق والتأكد من اتباع المدقق للمعايير المهنية والمحاسبية وعدم وجود شبهة تضارب للمصالح.

وفي تقريرالمجلس لعام 2010، أشار التقرير إلى أن أعمال بعض مدققي الحسابات شابها القصور لأسباب كثيرة منها ضعف الرقابة الداخلية، وأن عمل بعض المدققين لا يوفر ضمانات كافية للمستثمرين والمجتمع، وإن بعض المدققين "لا يقومون بتطبيق مستوى مناسب من الشكل المهني في أعمالهم وأن هناك بعض التحيز من قبل المدققين للإدارات التنفيذية للشركات".

وكذلك في سابقة جديدة قام مجلس الرقابة (PCAOB) في شهر مارس من عام 2013 بتوبيخ شركة "برايس ووترهاوس كوبرز"، لأن المجلس لاحظ عدم بذل الشركة العناية المطلوب لتصحيح بعض الملاحظات السابقة للمجلس والتي وردت في تقرير المجلس لعام 2007 و2008 والمتعلقة بجودة الرقابة الداخلية، وعلى الرغم من أن الشركة قامت بالرد على تقرير مجلس الرقابة وبينت وجهة نظرها ارتأت الشركة عدم استئناف قرار مجلس الرقابة لدى هيئة الأوراق المالية والسلع الأميركي " SEC ".

ولذا فإننا نحتاج إلى إعادة مراجعة قانون تنظيم مهنة مدققي الحسابات وإنشاء هيئة مستقلة قادرة على تنظيم هذه القطاع الحيوي والخروج من الدور التقليدي لجهات الترخيص، والمتمثلة في قيد مدققي الحسابات وإعطائهم التصاريح والرخص اللازمة إلى دور رقابي وتنظيمي أشمل يتمثل في الرقابة اللاحقة على أعمال هذه الشركات ومنع تضارب المصالح والتأكد من تطبيق هذه الشركات لأعلى المعايير المهنية والأخلاقية في التدقيق.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات