طرح الربيع العربي والتعقيدات الكثيرة التي رافقته، وما زالت، الكثير من الأسئلة حول الإشكالات التي تتعلق بالتدخلات الخارجية التي لم تكن بعيدة عن ساحات هذا الربيع، والتي أسهمت فيه، عبر ضمادة لجرح مصاب، أو خيمة مأوى لمشرد، أو المساهمة فيه عبر التزويد بالسلاح، أو بغارات جوية، أو من خلال التدخل العسكري المباشر.

معظم الصراعات المسلحة التي جرت وتجري بين بلد وآخر أو في البلد نفسه، لم تخلُ من تدخلات خارجية، مباشرة أو غير مباشرة. ويكفي في صدد ذلك، أن نشير إلى سلسلة الحروب العربية الإسرائيلية، والحرب العراقية الإيرانية، والحرب البوسنية، كأمثلة للصراعات بين الدول.. وإلى الحروب الأهلية في أفغانستان، والحرب الأهلية اللبنانية.

ومسلسل الربيع العربي الذي لم يسدل الستار عليه في سوريا بعد، كأمثلة للصراعات الداخلية. يتدخل في هذه الصراعات من له مصلحة في الإسهام في إدارتها وتوجيهها، لأسباب مختلفة بعضها وقائي وبعضها توسعي وبعضها ذو طبيعة إنسانية. التدخلات الخارجية في ساحات الصراع.

وهي كثيرة خاصة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، لا تعدو في طبيعتها أن تكون واحدا من اثنين: أولهما المساعدات الإنسانية التي تسمح بالتخفيف من معاناة المدنيين وحمايتهم من تداعيات الصراع. أما ثانيهما فهو التدخل العسكري المباشر أو غير المباشر، عبر التأثير على التوازنات داخل ساحة الصراع.

التدخلات من النوع الأول، تهدف إلى توفير الحد الأدنى من متطلبات إدامة الحياة لهؤلاء الذين شردهم الصراع إلى مناطق أخرى، أو أصبحوا لاجئين لدى بعض دول الجوار. هذا النوع من التدخل، في أغلب الحالات، غير منحاز لأي طرف من أطراف الصراع، وليس من الضروري أن يُصار تقديمه عن طريق الحكومات، فقد تسهم جهات غير حكومية في ذلك.

فهناك منظمات عالمية لها سجل ناصع في التخفيف من معاناة الإنسان، على الرغم من أنها لم توظف لذلك سوى قدراتها الذاتية المحدودة. أما النوع الثاني فهو ذو طابع سياسي، يهدف إلى حسم الصراع لصالح أحد أطرافه، عن طريق توظيف وسائل الإعلام في حملات تحريضية تصعيدية، أو توظيف معلومات استخبارية، أو تسليح أحد الأطراف، أو فرض منطقة حظر جوي، أو القيام مباشرة بنشر قوات عسكرية متفوقة تعمل على حسم الصراع.

وتتخذ لتبرير التدخل الخارجي ذرائع شتى لإضفاء غطاء شرعي عليه، منها إنسانية أو أمنية أو لتأمين مصالح الطرف المتدخل أو الدفاع عن مصالح حلفائه، أو قد يكون هذا التدخل جزءا من استراتيجية بعيدة المدى، تتطلب رسم خرائط سياسية جديدة.

وغني عن القول إن التدخلات هذه، الإنسانية أو العسكرية، لا يمكن اللجوء إليها دون أن تسبقها وتصاحبها حملات إعلامية تسوق مبرراتها، بالاستناد إلى منظومات القيم الأخلاقية التي وضعتها المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، أو باستقلال عن ذلك في حالة التعذر.

ويتسع حجم التدخل الخارجي ويتعمق تأثيره عندما تضفى عليه الشرعية الدولية، حين تنقل الأزمة التي يمر بها بلد معين إلى أروقة الأمم المتحدة، وتتركز الجهود الدبلوماسية لحشد الأصوات للحصول على قرار من مجلس الأمن الدولي، يبدأ عادة بالإدانات ويمر بالعقوبات، ويبلغ ذروته حين يوضع البلد الذي يجري فيه الصراع تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وتلغى سيادته وحقه في تقرير مصيره، وهو ما جرى في الحالة العراقية منذ عام 1991.

ومع أن النوع الأول من التدخلات لا يفرض قيودا على البلد، ولا يجعل اللايقين أحد سمات مستقبله، إلا أن التدخلات من النوع الثاني ليست كذلك، إذ مهما بدت بريئة وذات طابع إنساني.

فإنها في الحقيقة ليست كذلك، فلها تداعيات قد تمتد لمسافات زمنية طويلة، تتعلق بسيادة البلد وحريته في صياغة قراراته وفي التصرف بثرواته. كما أن لها تداعيات خطيرة على جانب آخر مهم، يتعلق بالقيم الوطنية التي نشأت عليها الأجيال، والتي لا تتقبل أي تدخل في الشأن الداخلي الثانوي الأهمية، ناهيك عن الاحتلال العسكري.

والحقيقة أن إسقاط الأنظمة السياسية عن طريق التدخلات الخارجية المباشرة أو غير المباشرة، قد خلق الكثير من الإشكالات التي حصدت بعض متاعبها الدول ذاتها التي أحدثت التغيير، إلا أن ما حصدته شعوب هذه البلدان أكبر من ذلك بكثير. فقد أفضى إلى حالة عدم استقرار امتدت لسنوات طويلة، كما هو الحال في أفغانستان والعراق، وليس من المستبعد أن تمتد حالة عدم الاستقرار التي نشهدها الآن في تونس وليبيا ومصر، إلى سنوات عديدة قادمة.

حالة عدم الاستقرار هذه تعود بالدرجة الأولى إلى الصعوبات التي تواجهها محاولات إعادة بناء الدولة، فالفراغ الذي تركه سقوط الأنظمة ليس فراغا عاديا، إذ إن الكتل السياسية التي استفادت من التغيير وأصبح لها موقع في تقرير مسارات العملية السياسية، واجهت صعوبات جمة في ملئه لأسباب عديدة، أبرزها أنها وجدت نفسها أسيرة بهذا القدر أو ذاك لإرادات القوى التي أحدثت التغيير أو ساعدت في حدوثه، لأن التدخلات لم تنته بسقوط النظام.

من جانب آخر، فإن هذه الكتل، بسبب جهلها بأساليب العمل الديمقراطي أو بسبب عدم القناعة بالديمقراطية أصلا أو بسبب ولاءاتها المختلفة، دخلت في صراعات مع بعضها للاستئثار بالحكم والوصول إلى سدته، بطرائق تبدو في ظاهرها ديمقراطية، إلا أن أسلوب صعودها لم يكن بممارسات تتفق مع القيم الديمقراطية.

كما أن ضعف الخبرات لدى قيادات هذه الكتل، وغياب الطبقة الوسطى الطويل عن المشهد السياسي، ونزوح النخب الليبرالية إلى دول الغرب خلال حكم الأنظمة الشمولية التي أسقطت، هي من العوامل التي أسهمت في ضعف القدرات على إعادة البناء أو الفشل في ذلك.

ولعل مما تجدر الإشارة إليه في سياق الحديث عما آلت إليه عمليات إسقاط الأنظمة، هو ما سيترتب على إسقاط النظام في سوريا، التي تشهد ساحتها السياسية حالة تدخلات خارجية متشعبة تجذرت بعمق، بسبب طول أمد الصراع الذي تجاوز السنتين. فالحالة السورية على درجة كبيرة من التعقيد، زادتها تعقيدا قساوة النظام القائم وشراسته، وزجه الجيش في الصراع الدائر.