الأزمة التي يعاني منها الحزب الجمهوري الأميركي، تؤثر في صنع القرار الأميركي الداخلي والخارجي على السواء، لأنها المسؤولة عن استقطاب كثير ما ينتج عنه تطرف في المواقف.
فالحزب الجمهوري مني بهزيمة مدوية في انتخابات الرئاسة العام الماضي للمرة الثانية، لسبب جوهري وهو المواقف الأيديولوجية للحزب، والتي ازدادت يمينية بشكل مطرد طوال العقد الماضي وصارت تستعدي أغلب قطاعات المجتمع الأميركي، من المرأة والشباب إلى الأميركيين من أصول إفريقية ولاتينية وآسيوية، ما أدى إلى انحسار شعبية الحزب واقتصارها على دوائر البيض الذكور الأكبر سنا.
وفي بلد سيصبح فيه البيض أقلية خلال عقدين أو ثلاثة، فإن تلك النتيجة معناها أن الحزب سيكون خارج المنافسة تماما، وربما معرضا للانقراض.
ولأن طبيعة النظام السياسي الأميركي لا تسمح باتخاذ قرارات مهمة إلا بناء على التوصل لحلول توفيقية، فإن الحزب الجمهوري الذي صار أكثر يمينية وعدوانية تجاه المختلفين معه، صار يلعب دورا محوريا في تعطيل اتخاذ قرارات جادة في السياسة الخارجية والداخلية على السواء.
ومن هنا، تتركز أنظار المحللين والمراقبين حول العالم على الحزب وتطور أوضاعه، للوقوف على مستقبل العملية السياسية في أميركا.
فالجناح المعتدل في الحزب صار ضعيفا، بينما ازدادت قوة الجناح الأكثر يمينية، خصوصا مع انتخاب أوباما، حيث لعبت المسألة العرقية دورا لا يمكن إنكاره بالنسبة للبيض القلقين من التحول الديمغرافي الذي تشهده أميركا، والذين كان انتخاب أوباما بالنسبة لهم أحد تجلياته.
ومن هنا، ظل السؤال الأكثر أهمية يتعلق بقدرة الحزب الجمهوري على خوض عملية مراجعة شاملة، تدرس أسباب هزيمة 2012 وما تعنيه بالنسبة لمستقبل الحزب.
وبالفعل حدثت تلك المراجعة، فرئيس اللجنة العامة للحزب الجمهوري، أعلى سلطة داخل الحزب، أمر بدراسة الأزمة في الحزب، وكانت النتيجة تقريرا في مئة صفحة تقريبا، صدر عن الحزب مؤخرا بعنوان "مشروع النمو والفرص". وقد قدم التقرير تشخيصا للأزمة، وانتهى إلى توصيات للخروج منها. لكن التقرير مثل في تقديري أحد تجليات الأزمة التي يعيشها الحزب، لا أحد حلولها، فالانفصال بين التشخيص والتوصيات لا تخطئه العين.
فالواقع على الأرض، بل ونتائج الانتخابات الأخيرة، تشير بوضوح إلى أن جوهر أزمة الحزب الجمهوري أيديولوجية، تتعلق برؤى الحزب والسياسات والمواقف التي يتبناها، فهي بلغت في يمينيتها حدا استعدى قطاعات واسعة في المجتمع الأميركي.
أما التقرير، ففي الوقت الذي اعترف فيه بأن هناك فجوة تفصل بين الحزب وقطاعات واسعة من الناخبين الذين يشعرون بأن الحزب لا يمثل مصالحهم، فإن توصياته توحي بأن جوهر المشكلة هو الأسلوب لا الأفكار والرؤى.
فالحزب وفق التوصيات، عليه أن يغير الأسلوب لا جوهر الرؤى والأفكار! فالتقرير بدأ بالاعتراف بأن "اعتقاد الناس بأن الحزب لا يهتم بهم، يضر بالحزب ومرشحيه، وهو الأمر الذي تنبغي مواجهته". لكن في التوصيات، إذا به يركز على كيفية توصيل رسالة الحزب، لا على تطوير جوهر الرسالة ذاتها.
ففي ما يتعلق مثلا بالأميركيين من أصل إفريقي، أوصى التقرير بتمثيل أعلى للسود في المواقع المختلفة للحزب، ومطالبة الحزب بالسعي للعمل في أوساط الجماعة السوداء بشكل جدي، "للحصول على أصواتهم" عبر إقناعهم برؤية الحزب، باعتبار أن الحزب "لن يفوز أبدا بأصوات من لا يطلب منهم التصويت له، فالكثيرون منهم يعطون أصواتهم للحزب الديمقراطي بحكم العادة، لأنهم لم يلتقوا بغيرهم في دوائرهم".
الغريب هنا، أن ما غاب عن التوصيات تماما، هو أن رؤية الحزب المطلوب ترويجها هي ذاتها التي تستعدي السود. فهي رؤية تسعى لتقليص دور الحكومة الفيدرالية، التي كانت دوما الحامي والداعم للأقليات بالمقارنة بحكومات الولايات.
وهي رؤية تسعى لتخفيض الإنفاق الحكومي، وعلى رأسه كل ما يتعلق بشبكة الأمن الاجتماعي والخدمات العامة، التي تستفيد منها الفئات الأقل حظا في المجتمع. وإلى جانب كل ذلك، فإن الخطاب السياسي للكثير من المسؤولين الجمهوريين ورموز الحزب، ينضح بالعنصرية.
والشيء نفسه ينطبق على توصيات الحزب بخصوص قطاع آخر مهم، وهو المرأة. فقد ركزت التوصيات على "أن ينفذ الحزب برامج تدريب لكوادره" يدرسون فيه "أفضل السبل للتواصل مع المرأة". أما في ما يتعلق بمواقف الحزب، التي هي السبب الرئيسي لاستعداء المرأة، فتقول التوصيات إن "الحزب الجمهوري في حاجة لتقديم الرؤية نفسها والرسالة نفسها، مع التأكيد على أن سياساتنا ورؤانا تغطي القضايا التي تهم المرأة".
باختصار، يبدو أن جناح اليمين يهيمن على مسألة المراجعة، فهو لا يعترف أصلا بأن هناك أزمة.
والحقيقة أن الحزب يعاني معضلة حقيقية، فهو إذا اعترف بأن جوهر الأزمة هو الرؤى والسياسات، مما يستدعي تغييرها، فإن الحزب سيخسر بالكامل تلك الكتلة البيضاء التي تعطيه أصواتها بدأب وحماس.
فتلك الكتلة تعطي أصواتها للحزب الجمهوري لأسباب جوهرها الخوف من الآخر والعداء له، فالبيض الذين يعطون أصواتهم للحزب الجمهوري، قلقون من التعددية العرقية والإثنية والدينية، وقلقون من تحول الملونين إلى أغلبية في أميركا خلال فترة وجيزة، وهم أيضا يخشون حدوث تحول راديكالي في الثقافة على يد حركة المرأة أو أفكار الشباب.
ومن ثم فإن التخلي عن خطاب الخوف والإقصاء الذي يستخدمه الجمهوريون، سيعني خسارة أولئك البيض، لأنه لا يوجد أساس آخر لاجتذابهم.
فالرؤية الاقتصادية للحزب تتعارض تماما مع مصالح هؤلاء، ولكنهم يتغاضون عنها مقابل القضايا الاجتماعية والثقافية التي يشعرون أن الحزب يعبر عنهم بشأنها.
بعبارة أخرى، فإن الحزب الجمهوري سيخسر قاعدته لو غير رؤاه، وسيخسر أية منافسة لو أبقى عليها، الأمر الذي يعنى أن الحزب سيدفع تكلفة باهظة في الحالتين.