خلفت النظم التي خلعتها انتفاضات وحراكات شعوب «الربيع العربي»، تركات ثقيلة من التخلف والبؤس والفساد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الحقوقي. وكانت هذه النظم قد ورثت بدورها قبل نصف قرن، أوزار حقبة تاريخية ممتدة من الاستعمار الغربي الاستغلالي، الذي سيطر على أمة العرب فور أن خرجت بالكاد من نير أربعة قرون عثمانية.

وقبل العهد العثماني، كانت هذه الأمة قد تعرضت لقطيعة بائنة مع ركب التطور الحضاري، وانحدرت أحوالها تحت حكم المماليك ومن على شاكلتهم إلى أبعد التصورات، إذ نالت منها عوارض الفتن الداخلية، المعطوفة على تكاليف التصدي لغزوات خارجية بالغة القسوة والضراوة.

كأن النظم الوليدة تواً التي لم يكتمل نصاب بعضها المؤسساتي بعد، جاءت على خلفية حقب تاريخية مقيتة، كانت الجوانب الكالحة فيها أعمق وأوسع بكثير من الجوانب المشرقة. ومع ذلك مطلوب من هذه النظم البرعمية، استئصال كل مخلفات هذا الإرث بين غمضة عين وانتباهتها!

فمن بين المطلوب اجتماعياً، القضاء على مظاهر التوتر والتنازع؛ بين الريف والحضر وبقايا البدو، بين ملل ونحل وثقافات وطوائف قبلية ودينية وإيديولوجية وسياسية.. بين جماعات تؤثر الانغماس في حضارة الغرب وتقاليده حتى النخاع، وجماعات أخرى تقنع بما هو كائن وتتحوصل على الذات إلى درك القطيعة مع عوالم الآخرين، وجماعات تدعو للمزج بين إيجابيات الأصالة والمعاصرة.

ومن بين المطلوب اقتصادياً؛ إعداد وإنجاز برامج ومشروعات تنموية، تلحق بتكنولوجيات العصر، وتزرع القفار، وتشيد المدن والقرى النموذجية، وتسمح بالتوزيع العادل للموارد والأرزاق، وإعمال مبدأ تكافؤ الفرص، وإيجاد مجالات عمل وتشغيل لعشرات الملايين من المتعلمين وغير المتعلمين، وبسط مظلات التأمين الصحي والضمان الاجتماعي، ومحو أمية الملايين ممن لم ينالوا حظاً من التعليم، علاوة على معالجة أمية الملايين الذين وقعوا ضحية برامج تعليم شديدة التسطيح والرخاوة العلمية..

والتصدي لطبقة رقيقة من الطفيليين التجاريين غير المنتجين، الذين تضخمت ثرواتهم على حساب المعسرين وزوال الطبقة الوسطى، والتحالف البغيض بين بعض رجال المال والأعمال وجماعات الحكم والسياسة والإعلام.. وتتبع واسترداد ثروات نهبت من خزائن الأمة وهربت إلى عوالم مجهولة.

ومن بين المطلوب سياسياً وقانونياً، استبدال قوى ونخب وطبقات وسلطات، مارست لأجيال موغلة في التاريخ، التسلط والقهر والاستبداد وحكم العسكر والبوليس..

بقوى ونخب وطبقات وسلطات تأخذ بالديمقراطية بكل طقوسها وشعائرها، حيث حكم الدستور ودولة القانون والنظام والتعددية الحزبية وفصل السلطات وتداول السلطة، ومحاربة الفساد متعدد الأنماط، وتحطيم مراكز القوى، والحفاظ على مسافة صحية بين أهل المال وأهل الحكم وصناعة القرار، والاستئناس بمرجعيات إيديولوجية تناسب مسار التاريخ الاجتماعي والروحي والاقتصادي للمجتمعات العربية، وإقامة الدولة ذات الهيبة التي تساوي بين مواطنيها وتشبعهم من جوع وتؤمنهم من خوف، وتفك الارتباط مع زمن الدوران في فلك الأقطاب المتربعين على قمة النظام الدولي، وتقعد الاستقلال الوطني على أسس حقيقية.

مطلوب من النظم البازغة؛ ابنة البارحة، تحقيق ذلك كله ونحوه، في إطار معطيات وبيئة ضاغطة داخلياً وخارجياً، بكل قوة وتجبر.. داخلياً؛ من أصحاب مصالح وأجندات ضيقة، تجذرت ملياً في أحشاء المجتمعات المنتفضة.

وخارجياً؛ من قوى عالمية شديدة البأس، استقرت مشروعاتها الدولية بين يدي الوضع القديم، وقوى أخرى إقليمية ذات هويات وأهواء لا تتوافق مع فضاء عربي خال من مداخلاتها. هذا دون الاستطراد إلى الضغط الاستثنائي الذي يضطلع به المشروع الصهيوني ودولته إسرائيل في منطقة القلب من هذا الفضاء، والتي ما انفكت تتربص بالكيانات العربية فرادى ومجتمعين، وتمارس عربداتها بالأصالة عن نفسها وبالوكالة عمن استزرعوها لأكثر من ستين عاماً..

وهي تستميت لأجل صيانة مقولة أنها الأكثر تطوراً ديمقراطياً واقتصادياً وعسكرياً، قياساً بكل الكيانات الممتدة من كراتشي إلى الدار البيضاء.

ترى ما هي الأطر أو النظم، كائناً ما كانت توجهاتها الإيديولوجية والسياسية، التي بوسعها الادعاء باجتراح معجزة النقلة النوعية الجبارة، الكفيلة بالتخلص من كل هذه الموروثات وإنجاز كل هذه المطلوبات، في عامين أو في بضع سنين؟ تقديرنا أنه لا يجرؤ على ادعاء كهذا غير مدلس أو متلاعب بعواطف الناس، أو جاهل بسنن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكبرى في هذا الكون. الانتقالة المتوخاة عربياً، جرت في عالم الغرب على مدار ما لا يقل عن أربعة قرون.

وذلك في إطار ضغوط داخلية وخارجية أضعف بكثير مما يحيط بالمثل العربي الراهن. بل ونجادل بأن التحولات النوعية التي استهلكت نحو ثلاثة عقود، وبتوفيق ملموس نسبياً في الدول الموصوفة بالنمور الآسيوية، جرت محفوفة بمحددات أكثر مواتاة مقارنة بهذا المثل. والشاهد أن القياسات والمشابهات قد تكون دالة في هذا الإطار، ولكن مع الحذر من تخطي الخصوصيات والظروف المحيطة بكل تجربة.