يتساءل صديقي، الذي ما زال يحمل في داخله بقية من مدٍّ قومي شَهِدَ قمة توهجه أواسط القرن الماضي، ثم انطفأ: لماذا فقدت القمم العربية بريقها، فلم تعد تلقى ذلك الاهتمام الذي كانت تلقاه إبان ذلك المدِّ الذي انحسر مع نهاية السبعينيات من ذلك القرن الذي انقضى؟

يجيب صديقي، الذي كان يتابع أخبار القمة العربية الرابعة والعشرين التي انعقدت في العاصمة القطرية "الدوحة" أخيراً: ربما لأنه كانت لدينا قضية مركزية واحدة هي القضية الفلسطينية، فأصبحت لدينا قضايا كثيرة، لم نعد قادرين على حصرها، ناهيك عن إيجاد الحلول المناسبة لكل قضية منها.

يعود صديقي، الذي لا يجد هذا سبباً كافياً لتجاهل غالبية الناس للقمة التي يراها مهمة، فيتساءل من جديد: لماذا فقد الناس اهتمامهم باجتماع قادتهم، رغم القضايا المصيرية المطروحة على جدول الأعمال، كما قرأها عبر وسائل الإعلام التي أصبحت تنقل كل شيء على الهواء مباشرة؟

يعتقد صديقي، الذي تحمس لكثير من القمم السابقة، بالقدر نفسه الذي أحبطته تلك القمم، أن المواطن العربي فقد حماسه لمؤتمرات القمة لأنها لم تحقق له شيئاً مما كان يأمله منها، إن لم تكن قد دفعت الأمور إلى الأسوأ، وجعلت الأوضاع أكثر تعقيداً مما كانت عليه.

يندهش صديقي، الذي ما زال يحتفظ بتسجيلات لبعض خطب الرؤساء العرب الذين يعتقد أنهم قد ارتقوا إلى مرتبة الزعامة، ويعجب من المستوى الذي وصل إليه خطاب من جاء بعدهم، ويظن أن مستوى الخطاب هذا واحد من أهم الأسباب التي دفعت المواطن العربي إلى الانصراف عن هذه القمم، وإدارة ظهره لها.

يعتقد صديقي، الذي عاصر رؤساء، غيّب بعضهم الموت، وغيّبت بعضهم شعوبهم التي ثارت عليهم، أن بعض تلك الوجوه، رغم دكتاتورية أصحابها، كانت تشيع في القمم السابقة جواً من الفكاهة، أصبحنا نفتقده في القمم الحالية، رغم أن بعض ما نعيشه ونشاهده يمكن أن يندرج تحت مصطلح "الكوميديا السوداء" المعروف، ورغم أن بعض هذه الوجوه التي حلت محل تلك، لا تقل عنها دكتاتورية وتسلطاً وبطشاً.

تنتاب صديقي، الذي عاش مرحلة وردية من الأحلام الوطنية التي لم يتحقق الكثير منها، حالة من الاكتئاب وهو يتابع أخبار القمم الحالية، رغم أن جداول الأعمال هي هي لم تتغير، وخطابات الافتتاح هي هي لم تتغير، والبيانات الختامية هي هي لم تتغير، والمؤتمرات الصحافية هي هي لم تتغير.. "وحدها الوجوه هي التي تغيرت".

يلاحظ صديقي، الذي أشهد له بقوة الملاحظة، أن الزمن قد دار، وأن الأدوار قد تبدلت، وأن دولاً لم يكن لها وجود في ذلك الزمن الذي يستمد حسه القومي منه، أصبحت تتصدر المشهد؛ تقود الثورات، وتحرك الجماعات، وتؤوي المنظمات، وأن دولاً كانت ذات يوم تتصدر المشهد قد تراجعت، فأصبحت تقاد بعد أن كانت تقود! ويرى صديقي أن هذه علامة من علامات الساعة الكبرى، ثم يعود فيستغفر الله كي لا يُتهَم بالكفر والتصدي للفتوى.

يستغرب صديقي، الذي لا تفوته شاردة ولا واردة، من نوبات النعاس التي تغشى بعض الرؤساء الذين يحضرون القمم الحالية، وتمتد إلى بعض الوزراء الذين يجلسون خلف رؤسائهم، أثناء إلقاء هؤلاء الرؤساء كلماتهم، رغم أن هذه الكلمات تحمل من التهديد والوعيد ما يُطِيْر النوم من عين الشجاع الصنديد! ويعتبر صديقي نوبات النعاس هذه من عجائب الدهر التي يشيب لها رأس الوليد.

يتفاعل صديقي، الذي يتابع كل البرامج الحوارية التي تبثها القنوات الفضائية على امتداد الوطن العربي الكبير، مع الأفكار التي تُطرح من خلال هذه البرامج؛ يتحمس لبعضها، ويعترض على بعضها، لكنه يجد نفسه في نهاية المطاف أمام "ظاهرة صوتية" لا تغير من الواقع شيئاً، ويدلل على ذلك بما يستمع إليه في هذه القمم من خطابات لا علاقة لها بما يدور في تلك البرامج من حوارات، ويستنتج أن الذين يديرون ويشاركون في تلك الحوارات في واد، والذين يلقون هذه الخطابات في واد.

يسترجع صديقي، الذي يدعي أنه متابع جيد لكل القمم التي عقدت على مدى أكثر من نصف قرن، كل القرارات التي اتخذتها تلك المؤتمرات، وانعكاساتها على مسيرة الأمة خلال هذه السنوات، فلا يجد لها أثراً إيجابياً يستحق الجهد الذي بذل في الإعداد لها، والوقت الذي أهدر من أجلها، والورق والحبر اللذين استهلكا فيها، فيدرك أن كل هذا عبث لا طائل من ورائه، ومسلسل يفقد عاماً بعد عام الكثير من متابعيه، بدليل أن الجزء الأخير منه مر دون أن يترك أثراً، أو يكسب مشاهداً جديداً، الأمر الذي يعني، بلغة أهل التلفزيون، أنه قد سقط سقوطاً ذريعاً، ولم يحقق الدخل الإعلاني المتوقع منه.

يستيقظ صديقي، الذي يبدو أنه قد استغرق في نوم عميق بعد مجهود طويل وشاق، ليدرك أن كل ما رآه هلوسة تورد صاحبها موارد الردى في هذا الزمن الرديء، فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يعود إلى النوم من جديد، في انتظار أحلام أكثر تفاؤلاً، وأقل خطورة وهلوسة.