احتفى العالم منذ أيام قلائل بالأمهات، وفي ذلك وفاء لمن تعطي دون أن تنتظر الرد، وتبذل دون أن تنتظر الشكر والعطاء، وترعى من حولها بطيب خاطر، وتكتمل سعادتها بسعادة من حولها، وآلامهم أقسى عليها من أشد أوجاعها، تتألم وتدعو ألا يتألم مَن حولها؛ لذا جعل العالم لها يوما يحتفي فيه بينبوع العطاء ومصدر الإلهام والسكينة.
وإذا كان العالم قد خصص يوما من كل عام للاحتفاء بالأم، إلا أن الاحتفاء والاحتفال والتقدير والتبجيل والتوقير، وكل المفردات الدالة على سمو مكانة الأم في الإمارات، لا يقتصر على فعاليات يوم ويمر، لكنه يمثل في وطننا سياسة حكومة تعرف مكانة المرأة؛ أماً وأختا وزوجة وابنة، كما أن توقير الأم جزء أصيل من ثقافتنا العربية، فضلا عن أنه من علامات حسن التربية، وقيمة ومنظومة سلوك اجتماعي، ودين وعبادة مأمورون بها ومحاسبون عند التقصير في أدائها.
كما أن الإمارات قدمت الدعم الكامل للأم عبر عقود طويلة احتلت فيها المرأة مكانة متميزة، توجت بإصدار مجلس الوزراء قرارا بتشكيل مجلس إدارة للمجلس الأعلى للأمومة والطفولة، برئاسة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك "أم الإمارات"، وهو المعني بتوفير الرعاية والمتابعة لشؤون الأمومة والطفولة في المجالات التعليمية والثقافية والصحية، وإعلاء دور الأم في إعداد الأجيال القادرة على العطاء الوطني، وترسيخ القيم الأخلاقية التي تجسد مكانتها ودورها في المجتمع؛ ورحم الله حافظ إبراهيم حين قال "الأم مدرسة إذا أعددتها * أعددت شعبا طيب الأعراق".
ولقد حققت المرأة في الإمارات الكثير من المكاسب والعديد من الإنجازات المتميزة، في إطار سياسة عامة تعلي من شأنها، وتبوأت أعلى المناصب في العديد من المجالات، كما أنها تسهم بفاعلية في مسيرة التنمية في الدولة، من خلال مشاركتها في السلطات السيادية الثلاث؛ التنفيذية والتشريعية والقضائية، بالإضافة إلى حضورها الفاعل على ساحات العمل الدولي.
إن تقدير القيادة السياسية لدور المرأة ودعمها، انعكس في سياسات وبرامج الدولة، حتى باتت رقما مهما في مسيرة التنمية التي تشهدها البلاد في مختلف مجالات العمل الوطني، لمَ لا وهي التي تحملت المسؤولية بجانب الرجل في زمن العسرة ورحلة البناء، مما أهلها لأن تنهض بمسؤوليتها كاملة إلى جانب الرجل، على قاعدة المساواة والتكافؤ في الحقوق والواجبات في إطار الالتزام بقيم المجتمع؟
وتخطى الاهتمام بالمرأة في الإمارات حدودها الوطنية، فامتدت يد الرعاية للمرأة اللاجئة وحمايتها من تبعات اللجوء ومعاناته، وخاصة في المناطق الملتهبة، وحشد الدعم والتأييد لها. في تقديري أن الوفاء للأم هو من علامات الفطرة السوية، ومن انحرف سلوكه وضل عقله وطمست بصيرته وغاب عنه بره لأمه، فمن الصعوبة أن تجد له قيمة في حياته يحافظ عليها، فمن لم يفِ لبيئته الأولى من غير الممكن أن يتعلم الوفاء لوطنه الكبير، فالفضيلة كل لا يتجزأ.
يقص علي أحد من فقدوا آباءهم مع إبصار عينيه للدنيا، فكانت أمه له أبا وأما في وقت معا، رعته وهو اليتيم، وترملت عليه وإخوانه، ودفعته دفعا إلى تحصيل العلم حتى صار أستاذا جامعيا.. والشاهد ما قاله من أن سر إصراره على تحصيل العلم والتميز، كان إسعاد والدته ومسح الدمعة التي انسابت من عينها يوم أن كانت تهنئ الجيران بنجاح ولدهم، وهي المكلومة في أخ له، فكان إسعادها ليزيح عنها آلام السنين وصعوبة الحياة، وليؤكد لها أن جهدها لم يضع سدى؛ لذا أصاب حافظ محمود عندما قال "إن الأم هي القوة النفسية الدافعة للأجيال إلى الأمام، بل هي التضحية الخالدة من جيل إلى جيل".
ألا يستوقفك دائما أنك عند الملمات، مهما كان علمك وعظم عملك ومسؤوليتك، تتوق إلى من تتحلل بين يديه من كل ذلك، وتفتح الغرف المغلقة في بواطن نفسك، ولا تسمح لمن يشاركونك معيشتك ليل نهار بمجرد محاولة الطرق، فتعطي مفاتيحها مرتاح البال إلى من احتوتك منذ كنت نطفة، فعلقة ثم مضغة فعظاما فلحما، داخل بطنها، وعلى ما في ذلك من عنت ووهن إلا أنها لم تتضجر يوما، ولأنها أول من أبصرتك متحللا من كل زينة، فإنها تراك بعيون فؤادها، تراك دون منصبك، وما تحاول أن تتخفى وراءه، فتعرف حالك من قسمات وجهك، سعيدا كنت أم مهموما، ودون أن تقص عليها من الحديث الكثير، ذلك أن حياتك من حياتها حين شاركتها غذاءها قبل أن تبصر النور، فكيف يختلط عليها أمرك أو يلتبس عليها شأنك، فتنبسط إليها رغما عنك، وتطرح بين يديها همومك، وأنت من يقصدك الغير عند الهموم، وتنهمر أمامها دموعك وأنت دمعك في الحوادث غال.
ورغم أن الكثير من الأمهات في فترات معينة من حياتهن يعجزن عن مساعدة من حولهن حين يعتل الجسد، إلا أنها تظل، رغم ضعف قوتها، ملجأ عند الشدة، ونبع الحنان والعطف عندما تقسو الحياة بصروفها، وهي المصباح المنير عندما تعز الرؤية، وصوت الضمير عندما تختلط الأمور وتصعب التفرقة بين الصواب والخطأ، وهي واحة الرضى وروضة النفس والأنس عند الوحشة..
يقبل وجهها عندما تدبر وجوه الناس، يبقى حبها عندما يذهب عنك ما كان يلتف الناس حولك من أجله.. بابها مفتوح عندما توصد في وجهك أبواب من كانوا يتطلعون إلى قدومك، حزنها عندما تكون مهموما أشد من طعم الحنظل، وفرحتها عند فرحتك تكاد تلامس عنان السماء..
تصفح وتعفو يوم أن يقسو عليك الناس، تطبب أوجاعك يوم أن يمل منك كل من حولك، تحمل عنك همك يوم أن ينأى عنك أقربهم إليك.. وفاؤها دائم، ترجو لك الخير دون أن تنظر إلى نصيبها منه، تستر عورتك حتى عن نفسك، وتقوي ظهرك، وهي الخبيرة بنقاط ضعفك؛ لذا كانت وصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم واضحة جلية، عندما جاءه رجل فسأله: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك.
من فقدها فهو اليتيم حقا ولو بلغ من العمر مبلغ الرجال؛ لأنه ينادي مناد من السماء: (يا ابن آدم ماتت من كنا نكرمك من أجلها، فاعمل عملا صالحا نكرمك من أجله).