عُرِف رجلٌ عجوز بحكمته و قدرته على التنبؤ بالأمور وشاعت شهرته بين الناس، ما أثار غيرة شقيين من العامة، فقررا احراجه أمام الجميع وسحب البساط من تحت قدميه، فأوقفاه في منتصف الطريق بين جموع المارّة وقد أمسك أحدهما بعصفور خلف ظهره وسألاه هل ما يحمله عصفورٌ ميت أم حي ؟،
وكانا قد بيّتا قرار إن قال العجوز أنه ميت أن يُطلقا العصفور ليطير، وإن قال أنّه حي فسيضغط عليه بقبضته ليقتله، وفي كلا الخيارين سيكون مخطئاً أمام الناس، فابتسم العجوز ومضى عنهما وهو يقول : العصفور سيكون كما تريدان أنتما.
هذه القصة تتكرر يومياً بأشكالٍ مختلفة في حياتنا، هناك من لا يقرّ له قرار لبروز غيره وظهوره، ولا يستطيع تقبّل أن يرى ناجحاً يُشار له بالبنان سواه، حتى وإن كان هو خِلواً من ذلك التميز، ولا يُماثل تلك الغيرة المَرَضية لديه سوى سطحيته وهشاشة فكره، وفوق ذلك فهو شخصٌ لا قدرة لديه على البناء لأنه لا يرى أبعد من قدميه، ولا يلاحظ من العالم إلا نفسه وأين هو من كل شيء، ولا يتسع صدره لقبول التباين والاختلاف وأحقيّة كل شخصٍ بالثناء لما تميّز به أو أجاد فيه.
مثل هذا الشخص يكون أسوأ تأثيراً في أجواء العمل، فهو كما يُقال "لا يرحم و لا يريد رحمة الله تنزل" فوجوده بين مميزين يُشعره دوماً بحالةٍ من انعدام الوزن، وخوفٍ على مكانته ومنصبه من أن يأخذها أحد هؤلاء الذين لا يتوقفون عن إدهاش من حولهم بأفكارٍ مبتكرة ونظرةٍ للأمور من زاوية مختلفة، رغم أنهم لا يستخدمون مثل "سيادته" مجموعةً من المصطلحات الانجليزية التي لا يحفظ سواها ولا يمر اجتماع دون أن يكررها كلما وجد لذلك سبيلاً، ظنّاً منه أن حفظها وذكرها سيجعله يبدو عبقرياً و "جاك ويلش زمانه " أمام من حوله.
أذكر مرّةً تحذيراً وجهه المؤلف المعروف جيفري فوكس من أنّه "من الضروري أن لا نُعيّن السبعات"، والسبعات هنا هم المتوسطون من المتقدمين للعمل، ممن تقديرهم لا يجاوز سبعة من عشرة لو تم تقييم كفاءتهم وقدراتهم، فهؤلاء فضلاً عن عدم قدرتهم على خلق فارق كبير يخدم المؤسسة وينقلها لمرحلة تنافسية أكبر.
فإنّهم دائمو الهلع والقلق على كراسيهم ووظائفهم من أن يتخطّفها المميزون الجُدد، أو تسحبها عنهم توصيات وملاحظات المميزون القدماء، فتبدأ منذ اللحظة الأولى "خطة البقاء" في هذا العالم وليس خطة تطوير هذا العالم وتحسين ظروفه و مخرجاته، وهذه الخطّة تنقسم لشقّين: أولهما تقضي بعدم تعيين من هم دونهم إلا إن كانوا مثلهم أو أقلّ منهم من فئة الستات والخمسات وبقية "القلايص" ممن لا ولن يشكّل تهديداً عليهم مستقبلاً.
وممن لن يقوموا هم أيضاً بتعيين إلا من هم على شاكلتهم لاحقاً، فيسدّوا الطريق على المميزين الجدد تماماً، والشق الثاني يقضي بتأليب الرأي العام لدى المسؤولين ضد المميزين القدامى من إثارة للشائعات وتحويرٍ للأقاويل وتكبيرٍ لصغائر الأمور للنيل منهم ومحاولة الظهور أمام المسؤول و كأنهم حواريّو عيسى أو فرسان الطاولة المستديرة المخلصون والذين لا يوجد سواهم "قلبه على المؤسسة".
إن عداوة الوسطيين ومتواضعي القدرات للمتميّز المتوهج ليست أمراً غريباً أو طارئاً للتو فقط، فها هي الروائية الأمريكية ايلين غلاسغو "تفضفض" شيئاً من حسرتها وحالها في القرن التاسع عشر بقولها: "الوسطية دائماً تفوز بأكثرية، لا لشيء إلا لأن تلك الأكثرية من نفس الفئة "، وهو منطق سبقهم به فرعون عندما أُسقِطَ في يده أمام معجزات موسى عليه السلام المتلاحقة فقال جملته الشهيرة في التأليب وتحوير الحديث : "إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ".
فالسطحي المتوسط يعي تماماً أنه لن يكشف سطحيته وخواء فكره أضرابه من السطحيين ومن هم من فئة "تفق البرزة"، ولكن من يعرفهم حقاً هم المميزون مهما حاولوا تقمص عباءاتٍ فضفاضة عليهم، و كم كان طريفاً ومروعاً لهم ما قاله رئيس وزراء بريطانيا في القرن 19 بنيامين ديزرايلي : "عندما يتحدث السطحيون لا يميزهم سوى العباقرة ".
على المسؤول أن يُحسن الاختيار لأنه هو أول من يُمدَح حال النجاح وأول من يُنتقَد حين الإخفاق، فأكثرية قطع الشطرنج بيادق ضعيفة الأثر والقدرات وتلك القطع اليسيرة فقط هي من يخلق الفارق ويكسب الجولات، وإن من يحاول البحث عن أمثاله فقط لا يعدو أن يكون كمن يحاول رسم لوحةً بلونٍ واحدٍ فقط، وحتى لو قتل ذلك السطحيُ العصفورَ المسكين فإنّ احساسه بالنقص أمام العجوز الحكيم لن يُقتَل أبداً.