مر قبل أول أمس، العشرون من مارس ليعيد للأذهان ذكرى هذا اليوم من عام 2003 الذي أصبح معلما مهما، ليس في تاريخ العراق فحسب، بل في تاريخ العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط عموما. فقد اجتاحت القوات المسلحة الأميركية في هذا اليوم، الأراضي العراقية استكمالا للحملة التي بدأتها في البلقان، لتصفية الأنظمة التي كانت حليفة للاتحاد السوفيتي.
مبرر الاجتياح كان تحقيق هدفين: أولهما ذو طابع دولي، وهو مصادرة أسلحة الدمار الشامل التي ادعت الولايات المتحدة أن العراق يمتلكها، أما ثانيهما فهو ذو طابع محلي يداعب مخيلة العراقيين، وهو القضاء على النظام الديكتاتوري القائم، وبناء نظام ديمقراطي يُحترم فيه الإنسان وتُصان حقوقه وفق المعايير الغربية.
التدخل العسكري الأميركي في العراق، جاء امتدادا منهجيا لتقاليد السياسية الخارجية الأميركية، التي حافظت عليها الإدارات المتعاقبة في البيت الأبيض منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
حيث لم تترك مكانا في العالم دون أن تزج بأنفها فيه، خاصة أنها وجدت في انهيار الاتحاد السوفيتي فرصة لا تعوض للانفراد بصناعة الأحداث في العالم. فقد نسفت الولايات المتحدة باحتلالها العراق، النظام الإقليمي السائد في المنطقة، بغية صياغة بديل له كجزء من استراتيجيتها لإعادة صياغة النظام الدولي لحقبة ما بعد الحرب الباردة.
لم تستمر العمليات العسكرية الأميركية سوى فترة وجيزة، ففي الأول من مايو عام 2003، أعلن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، من على سطح حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لنكلن" بعد إتمام هذه الحملة، أن "المَهمة قد أنجزت".
والآن بعد مرور عشر سنوات على ذاك الحدث الجلل، ونحن نشهد في كل ركن من أركان العراق تداعياته التي ربما ستستمر لعقود قادمة، نتساءل عما كانت تعنيه "المهمة" لدى الرئيس بوش! فالولايات المتحدة كانت قادرة على احتلال العراق بسهولة تامة.
وهو ما حصل فعلا بعد أن دُمر معظم قدراته العسكرية وبناه التحتية في حرب 1991، وبعد أن أجهز الحصار الذي دام اثني عشر عاما على ما تبقى منها، ولكن هل نجحت الولايات المتحدة في بناء دولة ديمقراطية في العراق على أنقاض الدولة التي أسقطتها، كما وعدت؟
بعيدا عن الخوض في المديات التي انتُهكت فيها القيم الأخلاقية للمجتمع الدولي، بقيام الولايات المتحدة وحلفائها باحتلال العراق، من الصعب القول بأن ما تمخض عنه هذا الاحتلال هو قيام دولة، ناهيك عن دولة ديمقراطية. فالعراق لم يسترجع سيادته التي فقدها منذ وضع تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة عند غزوه الكويت عام 1990، ويعبث الآن بمقدراته هذا الجار أو ذاك، بعد أن كان دولة تهابها جميع دول المنطقة.
إن ما نشهده الآن في العراق ليس دولة، وإنما هيكل يتحكم فيه أمراء طوائف وتكتلات جاهزة للاحتراب، إذا ما اقترب الآخرون من الخطوط الحمراء التي وضعوها لحماية المصالح التي حصلوا عليها وأضفوا عليها مسحة الشرعية، في عملية المحاصصة الإثنية والطائفية التي باركتها الولايات المتحدة، في ظل حكومة تتجه تدريجيا نحو الديكتاتورية.
كما لم تتمكن الولايات المتحدة من إلزام من جاؤوا معها إلى مواقع المسؤولية في العراق الجديد، من القضاء على الممارسات التي تنتهك حقوق الإنسان والتي كانت سائدة إبان النظام السابق. فمنظمة حقوق الإنسان تعيد في كل تقرير سنوي، كان آخرها تقرير عام 2012 الذي صدر قبل فترة وجيزة، ما يشير إلى أن هذه الانتهاكات لا تزال جارية في السجون والمعتقلات العراقية.
أما لو تطرقنا إلى الأجندة الأميركية غير المعلنة لاحتلال العراق، فإننا نرى أنها هي الأخرى لم تتوافر فرص تحقيقها، فالمهمة لم تنجز كما أعلن الرئيس بوش، وقواته أصبحت تخوض حربا من نوع آخر كلفتها الكثير جدا من الضحايا.
كما أن الولايات المتحدة لم تتمكن من خلق توازنات جديدة تصب في مصلحتها كبديل للتوازنات التي نسفتها، فالدول التي تهدد المصالح الأميركية أصبحت أكثر قدرة على التأثير في المسارات السياسية للمنطقة. وفشلت الولايات المتحدة في إيجاد حلفاء تستطيع الاعتماد عليهم في العراق، فالأحزاب التي تقود العملية السياسية هي أقرب لطهران منها لواشنطن.
على مدى السنوات العشر المنصرمة، طُرُح في الأوساط الغربية، الولايات المتحدة وبريطانيا بشكل خاص، مرارا السؤال الأكثر إلحاحا عن مدى صحة اتخاذ قرار الحرب لإسقاط النظام السياسي في العراق، والتضحية بما يزيد على خمسة آلاف جندي أميركي.
إضافة إلى أكثر من عشرة آلاف معاق، وإنفاق عشرات المليارات من الدولارات من أجل تنفيذ مهمة، وراءها مبررات هزيلة ثبت عدم صحتها، وأضرت كثيرا بالسمعة الدولية التي تتمتع بها دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا.
لا وجود لإجابة مقنعة تخلو من الثغرات عن هذا السؤال حتى الآن، وهذا أمر طبيعي، فعند مقاربة أحداث كبيرة في التاريخ، كالحدث الذي نحن بصدده، قد لا يكفي عقد أو أكثر من الزمن لإصدار حكم موضوعي منصف بشأنها، خاصة أن ما جرى في العراق غير منعزل عن الزلازل الأخرى التي جاء بها الربيع العربي لاحقا، وحركت ما كان ساكنا وراكدا، وكسرت الجمود الطويل في الحياة السياسية لشعوب المنطقة.
من جانب آخر، لا يتردد العديد من الكتاب، الأميركيين بشكل خاص، في وصف قرار الحرب الذي اتخذه الرئيس بوش، متأثرا بنصائح المقربين في إدارته ممن اصطلح على تسميتهم بالمحافظين الجدد، بأنه كان قرارا كارثيا لا تزال تداعياته تثقل كاهل الإدارة الأميركية، على المستويين المحلي والدولي.
إدارة الرئيس أوباما تستكمل الأهداف التي وضعتها إدارة سلفه ولا تختلف معها، فعبر الموقف المساند للربيع العربي الذي لم تتردد واشنطن في الإعلان عن الترحيب به أينما أورق، تواصل الإدارة الأميركية دعم مسلسل التغيير في المنطقة، رغم ما يحمله هذا التغيير من عوامل اللايقين حول ملامح الغد.
الفارق بين سياسة الإدارتين، هو أن الإدارة الحالية أكثر حذرا لأنها تحاول جهدها النأي بنفسها عن التدخل المباشر، وذلك لأسباب عديدة بعضها يرتبط بمبادئ الرئيس أوباما وبعضها الآخر ذو طابع سياسي واقتصادي.
فمعارضة أوباما لقرار الحرب على العراق حين كان عضوا في مجلس الشيوخ، كانت أحد الأسباب التي قربته إلى البيت الأبيض، كما أن التراجع والعجز في الاقتصاد الأميركي منذ عام 2008، أصبح عائقا أمام أية إدارة لاتخاذ قرار يثقل كاهل هذا الاقتصاد ويدفعه نحو المزيد من العجز.