للحياة وجهان، وجه يحمل الخير للإنسان، ويفتح له آفاقاً رحبة من الانطلاق والانتقال من حال إلى حال أحسن إن أراد ذلك، ووجه آخر تتعثر فيه خطى الفرد إن تغافل عن الأخذ بأسباب النجاح، منتظراً أن يجني الحصاد دون غراس، وهو في ذلك واهم، لأن قانون الحياة ومنطقها يأبى العطاء بغير بذل.

ومع أن التجارب المتميزة تمثل دروساً تستوجب النظر، إلا أن ما يتعثر فيه الإنسان في مسيرته لا يخلو أيضاً من جوانب النجاح، فقد يحمل العطاء منعاً، وقد يحمل المنع عطاءً.

ولمزيد من التوضيح، أقول إن النجاح إذا لم تصاحبه طاقة مستمرة، وتطلع دائم إلى تحقيق المزيد، مع التواضع لذلك، وإذا أصيب صاحبه بالاسترخاء والاستعلاء، والإحساس بالاكتفاء وعدم الحاجة إلى جهد من حوله، هنا يحدث المنع، وسوف تكون رحلة الهبوط سريعة ومروعة.

وعلى الرغم من قسوة الفشل، إلا أن الحصيف من يستطيع أن يلملم أوراقه، ويستجمع طاقاته، ويجدد فكره، ويحدد هدفه بدقة، ويأخذ بأدوات النجاح، ويعيد المحاولة، متجنباً ما انزلق إليه في المرحلة الأولى، ولا بأس في أن يتوقف ويبدأ من جديد، المهم ألا يصاب بالعجز ويمنى بالفشل، فيكف عن المحاولة.

ولأن طريق التميز طويل، ومليء بالمصاعب التي لا يقدر عليها إلا أولوا العزم من الرجال، وأصحاب الهمم العالية، لذلك حرصت قيادتنا السياسة دوماً على أن يكون التميز في دولتنا سياسة عامة، وتوجهاً للدولة بكافة طاقتها، لا أن يقتصر على حالات فردية رغم أهميتها، إلا أنها لا تقيم مشروعاً للنهضة أو تغير وجه الحياة.

لذلك بات من الطبيعي ضخ دماء جديدة في شرايين الوطن، وهو ما يحافظ على حيويته ونمائه؛ من هنا كان الدق المنتظم والمؤثر من القيادة السياسة على المؤهلات النفسية والقدرات الذاتية التي يجب أن يتحلى بها من يريد أن يسير في موكب المتميزين.

وأتوقف عند ما ذكره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في القمة الحكومية، من أن أكثر ما يحول بين من يتولى مسؤولية قيادية وبين تحقيق النجاح، هو ما يضعه الشخص لنفسه، ضارباً المثل بمن ينكر شروق الشمس، لا لأنها لم تشرق، ولكن لخوفه من إزاحة الستائر التي هي في الأصل معوقات الهمة ومثبطات التفكير.

والحق أن هذا القول يلخص بشكل واضح حالة المتردّين الذين حال خوفهم من الفشل دون مجرد المحاولة، مؤثرين السلامة ومكتفين بالسباحة في المناطق الدافئة، خوفاً من الدخول في تجربة لا تنجح فيندمون، رغم أنك إن تفعل شيئاً وتندم على فعله، أفضل من أن تندم لعدم فعل شيء، لأنك لا شك نلت شرف المحاولة، ويقيناً استفدت من تجربتك.

ولكن أن يتجمد الدم في عروقك وتصاب بحالة من تصلب الفكر، والخوف من المخاطر، فذلك يجعل الإنسان يسير في ذات المكان دون تقدم حقيقي. والمخاطر جزء من حياتنا، فحوادث سقوط الطائرات مروعة، ولكن من يرغب في سرعة الوصول إلى مبتغاه لا يجد دونها وسيلة.

كما أن الصحة النفسية تأتي كخطوة ضرورية لتحقيق الخطوة الأولى، وتعني أن ما يتخذه الفرد من قرارات يكون عبر التفكير وبمنطق، حتى لا يحير ويربك من حوله.

 والثبات الانفعالي يساعد على العمل بفاعلية تحت الضغط، فقد يجد المسؤول نفسه في قلب الأزمة التي تتطلب وضوحاً في الرؤية واتخاذ القرار الصحيح في الوقت المحدد، لأن القرار الصحيح في الوقت الخطأ خطأ، وقد يزيد الأمور تعقيداً، ويرتبط بذلك التحلي بالشجاعة في تحمل المسؤولية، كقبطان السفينة الذي يمسك بدفة القيادة في أصعب اللحظات رابط الجأش، دون القفز منها مخلفاً وراءه من معه.

ولقد أنكر الرأي العام الأميركي على أحد مرشحي الرئاسة، لأنه كان أول من غادر منزله عندما تعرض لحريق، مخلفاً وراءه ابنته وزوجته دون أن يحاول إنقاذهما، فكيف به يقود شعباً؟ وكانت النتيجة أنه انسحب من السباق الرئاسي، لأنه لا يمتلك مؤهلات القائد.

ومن أحوال من صحبناهم، من أصحاب التميز، أنهم لا يقفون عاجزين أمام مواضع الخلل، ولكنهم يجبرون هذا الضعف بالتركيز على نقاط القوة والبناء عليها؛ وهذا هو التفكير الإيجابي، فضلاً عن مواجهة المشكلات فوراً مهما كانت، دون تأجيلها.

فالتراخي في مواجهة المشكلة أو سوء تقديرها، قد يحولها إلى أزمة، ما يزيد من تداعياتها وصعوبة التعامل معها وسبل الخروج منها، وهذا يتطلب من المسؤول أن يكون محدداً واضحاً، والتأكد من أن العاملين معه يعرفون المهام المطلوبة منهم، والهدف المطلوب تحقيقه بدقة، حتى يمكنه التقييم.

وفي تقديري أن القيادة الإدارية المتميزة، هي التي تستطيع أن تنتقي أصحاب الكفاءات، القادرين على تنفيذ رؤيتها ووضعهم في المكان المناسب؛ ومن الممكن أن نذهب إلى أبعد من هذا، حين نقول إن التميز الحقيقي هو في تحقيق نجاحات كبيرة مع أشخاص عاديين.

وهنا تأتي أهمية الصفات القيادية الفطرية والمكتسبة، والتي تتضح من خلال القدرة على تحليل معطيات الواقع، ومعرفة كيف يكون اقتناص الفرص المواتية للنجاح، بعزم قوي وإرادة لا تعرف التردد، وشجاعة في غير تهور، وثقة في غير غرور.

القائد الإداري المتميز هو القادر على ابتكار أفكار جديدة، ويعلم أن قيمة الأفكار تأتي من القدرة على تطبيقها، وفي مرحلة التطبيق لا يجب التسامح أو الرضى بالأداء المتوسط، ولكن عليه دائماً أن يؤمن بأن مكاناً في القمة يتسع ولو لموضع قدم، أفضل من أن يحتل المركز الثاني بمفرده، كما أن الأهم من بلوغ القمة هو الاستمرار فيها، لأن هناك من يلاحقه بقوة وقد يتجاوزه.

لذا يجب طرح سؤال بعد كل نجاح، وهو: ماذا بعد؟ وعدم التوقف طويلاً أمام ما تم تحقيقه، إلا إذا كان امتداداً للحاضر ودافعاً إلى المزيد من الإنجاز، من خلال العمل بروح الفريق؛ فليست هناك أعمال كبيرة يمكن أن ينجزها الفرد دون مشاركة الآخرين له، كما أن الذي لا يعمل ضمن فريق لا يستمر طويلاً، ومن يترك وراءه صفاً ثانياً، تمتد حياته في حياة كل من علمهم كيف يكونوا متميزين.. رأينا ذلك وتعلمنا منهم، وما زلنا نحتاج إلى أن نستزيد من العلم، لأن طريق التميز لا نهاية له.