كان الفلاح الشاب يسأل كبار السن من الفلاحين عمّا يجب أن يزرعه للموسم الجديد، وأجمع الكل أنّه من الواجب أن يزرع الخوخ إذ إنّ المتوفر من الكمثرى في السوق كثيرٌ جداً، حينها شكرهم وبدأ في زراعة الكمثرى وكان الرابح الوحيد نهاية الموسم فقد علم يقيناً أن الكلّ سيزرع الخوخ هذه المرة وذلك ما حصل فعلاً!
إنّ التفكير الجماعي في كثيرٍ من الأحيان لا يعدو أن يكون تفكير فردٍ واحد قام بتبنيه أعدادٌ كبيرة من الناس، فأخذوه دون فحصٍ دقيقٍ لجدواه، أو تأكد لا يطرقه الشك لفعاليته، وأصبح مع الوقت طرحاً جماعياً يُستهجن من يُخالفه، في برهانٍ جليٍ كيف يُسوِّق البشر لأنفسهم بعض الحلول حتى لو بان عوارها وظهر نقصها، وقليلٌ هم أولئك الذين يخرجون عن القطيع للبحث عن طريقٍ أكثر ملاءمة لظروفهم وأسلم حقاً لمستقبلهم دون ذلك الانقياد الطوعي الذي يجفل من المراجعة لجدواه.
من هؤلاء القلة فنلندا الإسكندنافية، فهذه الجمهورية التي تحوي أكثر من 187 ألف بحيرة و 179 ألف جزيرة، وحيث تم اختراع (الساونا) والتي يبلغ عددها حالياً فيها ما ينوف عن 1.8 مليون ساونا، وجدت نفسها في مفترق طُرق، إمّا أن تتبع البقية رغم اختلاف المعطيات وتباين الظروف .
وإمّا أن تملك الجرأة لكي تختط لنفسها مساراً جديداً، وذلك ما فعلته وتؤكد أنها ستفعله حتى لا تقع فريسة للوضع الاقتصادي غير المتوازن مع جاراتها الغنية بالمصادر عكسها هي، فحسب عام 2012 تمثل الزراعة 3.3% من الناتج العام المقدر بـ 247 مليار دولار والصناعة 27% بينما 70% تعود للخدمات، وهو اختلال كبير ومؤشر مقلق للمستقبل خاصة مع نموٍ أكثر إقلاقاً بلغ 0.3% العام الماضي.
أي أنها في المرتبة 180 عالمياً وبدينٍ عام زاد من 370 مليارا عام 2010 إلى 577 بنهاية عام 2011 مما يؤكد حاجتها الحرجة لإيجاد مخرج مختلف وخلق ميزة تنافسية رغم ضعف الموارد الطبيعية، وذلك ما قامت به في استثمارها في العامل الأكثر أهمية لديها، ألا وهو الإنسان.
في فنلندا كل طفلٍ يولد يُمنَح والداه ثلاثة كتب، واحدٌ لكل منهما والثالث كتاب مبسّط للطفل نفسه لغرس حب القراءة فيه من سنٍّ مبكرة جداً وتدعيم عملية بناء القدرات الذهنية لديه، وكما تقول أخصائية تطوير الطفل إيفا هويالا : "التعلّم المبكر هو أهم مرحلة للتعلّم الإنساني، فالأبحاث تؤكد أنّ 90% من نمو المخ يحدث في السنوات الخمس الأولى و 85% من تطوّر مسارات الخلايا العصبية يحدث قبل سن السابعة"، لذا لا تبدأ الدراسة الابتدائية للأطفال إلا بعد بلوغهم السابعة وحينها يبدأ العمل المختلف عن البقيّة.
ففي فنلندا لا تعدو المناهج القومية أن تكون إطاراً عاماً فقط، بينما لكل مدرسة الحق أن تُفصّل منهجها الدراسي بما يتوافق واحتياجات طلابها وتطلعات المجتمع الذي تعيش فيه، دون جري أعمى خلف منطق (نموذجٌ واحد يصلح للجميع)، ولا توجد اختبارات إطلاقاً في السنوات الست الأولى ولا تكاد توجد واجبات منزلية تحرق براءة الطفل مساء كما أنهكه التلقين صباحاً.
كما أنّ تقييم المدرس للطلاب ليس للتصنيف أو المقارنات فيما بينهم ولكن يُستخدَم لتقويم وإعادة توجيه المنهج والعملية التعليمية بما يتوافق مع متطلباتهم وأنماطهم الشخصية، وترفض فنلندا فكرة (فصل المميزين) عن رفاقهم، فكل الطلاب يدرسون معاً.
وهو أمرٌ مهم لأنّ المميز لاحقاً سيعمل وسيتشارك حياته المهنية والاجتماعية مع أطيافٍ من البشر و بمستويات مختلفة من الذكاء ومن الضروري أن تنمو لديه مهارة التعامل مع الآخرين المختلفين والتناغم معهم بدلاً من تعزيز إحساس الفوقية والانسلاخ عن المجتمع.
إن المدرس يقضي سنواتٍ عدّة مع نفس المجموعة من الطلاب وذلك لعدم إحداث خلل أو تغيير غير مبرر لنمط التعليم الذي اعتادوا عليه، كما أنّ هذا المدرس والذي يقضي أربع ساعات يومياً في التدريس لا بُد أن يكون حاصلاً على شهادة الماجستير كحدٍّ أدنى وأن يكون من نخبة الـ10% من الخريجين، بينما في الولايات المتحدة على سبيل المثال يكون المدرسون غالباً من الـ20% الأدنى.
لذلك لم يكن غريباً أن تتصدّر فنلندا اختبارات PISA بكل معاييرها منذ إطلاقها عام 2000 بينما تتخبّط الولايات المتحدة في مرتبة دون الوسط رغم أن فنلندا تُنفِق 30% أقل منها على الطالب، مع ضرورة الإشارة إلى أنّ 3.5% من الناتج الاجمالي يُنفق على الدراسات والبحوث ولا يسبقها في ذلك سوى السويد واسرائيل فقط!
إن اشتراط كون المدرّس من النخبة والنظر لمهنة التعليم كمهنة راقية شأنها كالأطباء والمحامين، هي ما شجّع الحكومة الفنلندية على الثقة بالمدارس لوضع مناهجها بنفسها، وحيث الاهتمام ليس بكمّ ساعات التدريس وإنما كيف يُستفاد منها بطريقةٍ فعّالة كما يقول باسي سالبيرغ مؤلف كتاب (الدرس الفنلندي).
وأنّ خطأ أغلب المناهج أنها توضع حسب رؤى أكاديميين منفصلين عن الواقع المعاش ولا تبدأ من الطالب نفسه، وهو أمرٌ مضحك لأننا دوماً نردد كما يردد علماء الإدارة بأن أول خطوات نجاح التغيير هو أن تُشرك المجموعة المستهدفة معك منذ البداية لوأد مقاومة التغيير.
لقد رأت فنلندا ما يحدث حولها من تغيير لا يُحدِث تغييراً، وحركةً وضجيجاً لا تُقدِّم أصحابها للأمام، وحيث يُعامَل الطلاب كمختبرات أبحاث، وتقطيبة حاجب المدرّس تعكس استهجانه للنظرة الدونية لمهنته مجتمعياً.
فقامت بإصلاح تلك التركيبة المختلة وخرجت من التبعية للآخرين دون وعي، ونجحت بتفوّق وأصبحت في موضعٍ جيد كفيل بجعلها تواجه مطبات الأوضاع الاقتصادية القاسية في مقبل الأيام بقدراتٍ بشريةٍ عالية التأهيل، متناغمة مع ما حولها ومن حولها ولتقدم الكمثرى في سوقٍ يعج بباعة الخوخ فقط.