«مات اللي دوخ أميركا»

ظاهرة هوغو شافيز جديرة بالتأمل، فهو رئيس بدأ مشواره نحو السلطة بمحاولة انقلاب عسكري فاشلة في العام 1992، سجن على إثرها لمدة سنتين، ليخرج بعدها بعفو رئاسي. وهو الرئيس المنتخب الذي أزيح عن السلطة بفعل انقلاب عسكري ليمكث خارجها مدة 48 ساعة وليساعده أنصاره من عسكر الحرس الجمهوري في العودة إليها وذلك في أبريل 2002.

وهو الرئيس الذي أوصلته صناديق الاقتراع إلى سدة الحكم عام 1994 دون أن يؤمن بأنها الوسيلة المثلى لاختيار الشعب لممثليه، لذا حاول المرة تلو الأخرى، التشبث بالسلطة، وهو فعلاً بقي فيها إلى الرمق الأخير.

ولعل مبرر شافيز للتمسك بالسلطة (رغم نبل أهدافه) هي تلك النظرة التقليدية للديمقراطية التي تبناها التقدميون منذ مدة بعيدة والقائلة إن الديمقراطية هي لعبة تستخدمها البرجوازية لتدوير السلطة بين رموزها، وهي بالتالي لن تأتي بمن يمثل الشعب ومصالحه خير تمثيل، وأن اللعبة الديمقراطية ما هي إلا تمييع للصراع الطبقي! أما البديل "فدكتاتورية البروليتاريا" التي تمثل مصالح أوسع قطاعات المجتمع.

ورغم أن هوغو شافيز وحزبه "الحركة البوليفارية الثورية" كانا قد طرحا "اشتراكية جديدة" إلا إن ممارسة زعيمها على أرض الواقع إنما كانت تعكس تلك النظرة التقليدية التي لم يستطع الحزب أو زعيمه التخلص منها.

والواقع إن فيدل كاسترو والتجربة الكوبية تمثلان توجهه خير تمثيل. فكان شافيز يعتبر فيدل كاسترو نموذجه الذي سار على خطاه. وكاسترو رغم إنجازاته العظيمة، حكم كوبا منذ أن انتصر هو وزميله الأرجنتيني المولد شي غيفارا في العام 1959 ولم يتخل عن السلطة إلا بعد أن أعياه المرض ليسلمها لأخيه راؤول كاسترو بعد نصف قرن تقريباً (2008)!

الديمقراطية كما يعتقد هؤلاء "مضمون" وليس "شكل"، إنه إنجازات تصب في صالح الجماهير عبر تحقيق العدالة الاجتماعية بتوزيع الثروة على أوسع نطاق لتوجد مجتمع التكافل والرفاه. وما دام القائد أو حزبه الحاكم يحققان ذلك فلا داعي للدخول في لعبة الانتخابات وتجديد الشرعية عن طريق صناديق الاقتراع.

فالشرعية متحققة بالإنجازات، ورضا الجمهور أو الشعب متمثلاً بما يحصل عليه من عمل وسكن وخدمات مجانية وغيرها. والتنمية قائمة بتوفير سبل العيش الكريم للسواد الأعظم من المواطنين.

ومن المفارقات أن بعض الكتاب والمفكرين اليمينيين يوافق على مثل هذا الرأي تقريباً، إذ يرون أن الديمقراطية "ترف" لا تستطيع الشعوب التي هي في طور النمو دفع فاتورته، المتمثلة أساساً في التوتر الاجتماعي (كما نلحظ في حالة كينيا هذه الأيام)، وأن التنمية حصلت في بلدان عدة قبل أن تصل إلى مرحلة الحكم الديمقراطي، ويضربون مثلاً بذلك في تجربة النمور الآسيوية، وربما الصين في انعطافتها الحالية.

والحق، إن مثل هذه الأفكار لم تعد هي الرائجة، إذ تبين التجربة التاريخية أن الديمقراطية هي أساس للاستقرار الاجتماعي والسياسي، وهي القاعدة التي ترتكز عليها التنمية المستدامة. أما التحول إلى النظام الديمقراطي، وشكل هذا النظام ودرجة الأخذ بشروطه، فهي خاضعة للظروف التاريخية لكل مجتمع.

وقد نجح هوغو شافيز في إحداث نظام اجتماعي تكافلي، محققاً درجة كبيرة من العدالة الاجتماعية، مستنداً إلى ثروة فنزويلا الهائلة من النفط. غير أنه لم يستطع بأموال النفط أن يطور القطاعات الاقتصادية الأخرى (كما تفعل النرويج مثلاً)، وهذا هو التحدي الأكبر وهو الأساس لتنمية مستدامة تكفل برامج الدولة في الإنفاق على الخدمات التي تحقق العدالة الاجتماعية. فعائدات النفط تمثل 95% من إجمالي عائدات فنزويلا وحوالي نصف موارد الميزانية الحكومية.

ولعل نجاح شافيز الأكبر، بل شهرته التي طبقت الآفاق كمنت بسياساته المعادية للولايات المتحدة، والتي هي بطبيعة الحال تعكس المزاج الشعبي في أميركا اللاتينية، وهو مزاج تكون تاريخياً منذ ما يقرب من أكثر من قرن ونصف وذلك بإعلان الرئيس الأميركي جيمس مونرو في 2 ديسمبر 1823 باعتبار أميركا اللاتينية "حديقة خلفية للولايات المتحدة" يحرم على القوى الأخرى الاقتراب منها. مروراً بالانقلابات العسكرية التي قادها السي آي أيه ضد حكومات منتخبة ديمقراطياً.

فعلاً "دوخ" شافيز أميركا في مجال تأليب الرأي العام عليها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات