برنامج الاغتيالات وصلاحيات الكونغرس المعطلة

بموافقة مجلس الشيوخ الأميركي على تولي جون برينان منصب مدير المخابرات المركزية، صار الاغتيال الموجه عن بعد سياسة رسمية أميركية، تحظى بموافقة أغلبية كبيرة في المؤسسة التشريعية حتى إشعار آخر. والاغتيال عن بعد برنامج بدأ في عهد بوش الابن، ولكن تم التوسع فيه بشكل غير مسبوق في عهد أوباما، الذي أعطى لنفسه حق اختيار من يتم اغتيالهم من بين قائمة تقدمها له أجهزة المخابرات.

والاغتيال يتم عبر طائرات بلا طيار، تقذف صواريخ وقنابل على الموقع الموجود فيه الشخص أو الأشخاص المستهدفون. وأحيانا يستهدف البرنامج "متعاونين مع الإرهابيين"، لا فقط "الإرهابيين". وقد تم التوسع في تلك الضربات بحيث لم تعد توجه فقط داخل الأراضي الباكستانية، وإنما تشمل أيضا اليمن والصومال.

ومنذ العمل بسياسة الاغتيالات تلك، علت الانتقادات الموجهة لها لأسباب متعددة، أولها أن كل واحدة من تلك الضربات الجوية تؤدي إلى قتل عشرات المدنيين الأبرياء. وتصر إدارة أوباما على أن عدد المدنيين الذين يقتلون بالخطأ قليل للغاية، وهي اخترعت في ذلك معيارا يعتبر أن كل الذكور في سن التجنيد ليسوا مدنيين، وإنما "مقاتلون مع الأعداء"!

أما ثاني الانتقادات الموجهة للبرنامج، فهو أن المؤسسة التنفيذية الأميركية تلعب دور الحكم والجلاد معا، دون أية رقابة.

فأجهزة المخابرات تجمع المعلومات وتعد القوائم وتنفذ عمليات الاغتيال، باستثناء الحالات التي يمكن أن يسقط فيها مدنيون (بالتعريف السابق)، حيث يتحتم عليها عرض الأمر على الرئيس ليتخذ القرار بنفسه وبشكل منفرد.

وإلى جانب كل ذلك، وجهت المنظمات الحقوقية انتقادات صارخة للميل لتوجيه ضربات مزدوجة تفصل بينها دقائق، مما يحصد أرواح الذين يهرعون لنجدة ضحايا الضربة الأولى.

وقد أكدت الوقائع والأحداث على صحة كل تلك الانتقادات. فمن أجل قتل شخص واحد كان يزور أهل زوجته، تم هدم البيت بالكامل وقتل من كانوا فيه، فضلا عن عائلتين تعيشان في بيتين مجاورين. وكثيرا ما روى الباكستانيون في منطقة الحدود مع أفغانستان، عن حالة الرعب التي يعيشها أبناء تلك القرى الذين يتوقعون أن تمطر السماء صواريخ وقنابل في أية لحظة، ويعرفون جيدا أنه لن يهرع أحد لنجدتهم خوفا من الضربات المزدوجة.

وجون برينان الذي وافق مجلس الشيوخ على توليه منصب مدير المخابرات المركزية، سيكون مسؤولا بشكل مباشر عن تنفيذ ذلك البرنامج. وقد لاقى ترشيحه اعتراضات كثيرة، فهو كان مسؤولا كبيرا في الجهاز في عهد بوش الابن حين مورس التعذيب.

وعندما تولى أوباما الرئاسة عام 2009، رشح برينان لمنصب مدير المخابرات، إلا أن برينان اضطر لسحب ترشيحه بسبب الغضب الذي انفجر وقتها لدوره في إدارة بوش الابن.

لكن الواضح أن أوباما كان يريد الرجل إلى جانبه، فعينه مسؤولا عن "مكافحة الإرهاب"، وهو منصب لا يحتاج لموافقة الكونغرس. ومن خلال ذلك المنصب في إدارة أوباما الأولى، كان برينان أحد أهم مستشارى الرئيس بشأن برنامج الاغتيالات عن بعد.

لذلك، حين رشح أوباما برينان مديرا للمخابرات للمرة الثانية بعد إعادة انتخابه، علت الانتقادات داخل الكونغرس وخارجه، ليس فقط لدوره في إدارة بوش، وإنما لدوره بشأن برنامج الاغتيالات أيضا. ولم يكن بعض أعضاء مجلس الشيوخ ضد ترشيح الرجل، وإنما اعتبروا ترشيحه فرصة للحصول على معلومات حول برنامج الاغتيالات، كانت الإدارة قد رفضت أكثر من مرة الإفصاح عنها.

لكن أعضاء آخرين لم يروا في البرنامج نفسه مشكلة، سوى أنه قد يستهدف أميركيين على الأرض الأميركية. فقد اغتالت المخابرات في اليمن أنور العولقي الذي يحمل الجنسية الأميركية، وهو الاستهداف الذي قرره الرئيس أوباما بنفسه، وذكرت النيويورك تايمز أن الرئيس قال عنه إنه كان قرارا "سهلا".

وقد سعى أعضاء مجلس الشيوخ للحصول على إجابة من إدارة أوباما، عن سؤال محدد بشأن ما إذا كان مسموحا وفق هذا البرنامج، أن توجه ضربات لاغتيال مواطن أميركي متهم بالإرهاب داخل الأرض الأميركية؟ وبعد مماطلة جاء الرد من جهتين؛ الأولى هي برينان نفسه الذي قال إنه كمدير للمخابرات لن يكون مثل ذلك القرار من صلاحياته، والثانية من وزير العدل الذي أكد أنه "لا توجد نية" لاستخدام تلك الضربات داخل أميركا، ولكنه أضاف أنه "في حالة طوارئ على شاكلة الحادي عشر من سبتمبر، فإنني سأدرس الحقائق والظروف قبل أن أنصح الرئيس بشأن مجال صلاحياته". وهو ما أثار ضجة عارمة، فعاد وزير العدل لينفي ما قال.

ورغم كل ذلك، وافق مجلس الشيوخ على تولي برينان منصب مدير المخابرات بأغلبية كبيرة، وصلت إلى 63 من أصل 100.

ولأن برينان صار رمزا لبرنامج الاغتيالات عن بعد، فقد مثلت الموافقة على تعيينه بأغلبية مريحة، استفتاء على البرنامج لا الرجل، وهو ما قاله أحد أعضاء مجلس الشيوخ المخضرمين، السيناتور الجمهوري ليندزي غرام.

فهو كان ينوي التصويت ضد تعيين برينان لأسباب مختلفة تتعلق ببرينان وأدائه، ولكنه غير رأيه وقرر التصويت لصالح برينان، عندما صار الاعتراض على ترشيحه اعتراضا على برنامج الاغتيال عن بعد، وقال غرام صراحة "سأعطي صوتي لبرينان، لأن القضية صارت استفتاء على برنامج الاغتيال عن بعد".

الأخطر من هذا كله، أن تلك الموافقة حدثت رغم السرية الشديدة التي تحيط بها إدارة أوباما البرنامج، حتى إنها حين أتاحت بعض المعلومات مضطرة للجنة الاستخبارات في المجلس، فإنها حرمت منها لجنة القضاء في المجلس نفسه!

باختصار، تخلى مجلس الشيوخ "الديمقراطي" عن صلاحياته الرقابية على الرئيس، تماما مثلما فعل الجمهوريون مع بوش الابن، الأمر الذي يعطي الرئيس صلاحيات مطلقة، يندم الكونغرس عادة على منحها، ولكن بعد أن تُحدث ضررها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات