ثمار مرّة لسياسة أميركا في الشرق الأوسط

منذ دخول الولايات المتحدة القوي إلى الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، تمحورت سياستها المعلنة ضمن محورين أساسيين، الأول: السيطرة على مداخيل النفط العربي بكل الوسائل المتاحة، والثاني: دعم إسرائيل ومساعدتها على تنفيذ مشروعها بين الفرات والنيل.

أثارت تلك السياسة ردود فعل شاجبة لدى الوطنيين القوميين والتقدميين على امتداد العالم العربي، لكن الولايات المتحدة أمعنت في تحدي تلك القوى مجتمعة، وساعدت على إسقاط مشاريعهم الإصلاحية وثوراتهم التحررية، وساندت الأنظمة الديكتاتورية والتسلطية في المنطقة، التي تحالفت مع إسرائيل لإنزال هزيمة قاسية بالمد القومي التحرري العربي عام 1967.

بعد انفجارات نيويورك وواشنطن عام 2001، زادت الولايات المتحدة ضغوطها الإضافية لإضعاف الدول العربية والإسلامية.

وبعد أن أعلنت الحرب على "الإرهاب الدولي"، سارعت إلى احتلال العراق، وحاولت احتلال أفغانستان، وتأديب الدول المارقة وفي طليعتها كوريا الشمالية، وإيران، وسوريا، وغيرها من الدول التي رفضت الانصياع للقرار الأميركي الإسرائيلي في الشرق الأوسط.

وما إن تفجرت الانتفاضات العربية في أكثر من دولة عربية في 2011، حتى سارعت الولايات المتحدة إلى دعم قوى التطرف الإسلامية في مصر، وليبيا، وتونس، واليمن، وسوريا.

وكشفت الوثائق المعلنة أن تلك المنظمات عقدت اتفاقيات سرية مع الولايات المتحدة، أبدت فيها استعدادها التام للتعاون مع إسرائيل كدولة طبيعية في الشرق الأوسط. ودعم بعض دول المحور الأميركي في المنطقة، بالمال والسلاح، أكثر تلك الحركات تطرفا، تحت ذريعة أنها شكلت البديل الوحيد المحتمل في غالبية الدول العربية لحظة انهيار أنظمتها السياسية التسلطية.

تعيش الدول العربية حاليا، خاصة المنتفضة منها، مأزقا بنيويا حادا نجم عن تلك السياسة الخاطئة. فقد استغلت المنظمات الإسلامية المتطرفة، غضب الجماهير الشعبية التي فجرت الانتفاضات ضد أنظمة تسلطية، في محاولة لبناء ركائز صلبة للدولة المنتفضة. بيد أنها فوجئت بدعم أميركا غير المحدود للقوى الإسلامية لحكم مصر وتونس.

وباتت لديها مواقع متقدمة في كل من ليبيا، واليمن، وسوريا، والجزائر، والأردن وغيرها. واتجهت جماعات مسلحة من ليبيا لاختطاف رهائن أجانب في الجزائر، ردا على إرسال فرنسا قوات عسكرية لمساعدة جيش مالي وجيوش من دول الجوار، لطرد مجموعات التطرف المسلحة منها.

تشير هذه اللوحة السريعة إلى الانتشار المتزايد لتنظيم القاعدة ولتيارات أخرى متطرفة، بدأت تثير اضطرابات واسعة في منطقة الشرق بأكملها.

وأدت النزاعات الداخلية في هذه المنطقة، إلى مخاطر حروب أهلية في أكثر من دولة. وبات واضحا أن انتفاضات الربيع العربي، شكلت مناسبة تاريخية هامة لانتشار نفوذ تيارات التدين السياسي، فرفع الأكثر تطرفا منها شعارات سياسية وصلت إلى إعلان الجهاد المقدس لإقامة "دول إسلامية"، ونشر مقولات إيديولوجية شعبوية لجذب الكثير من القوى المحلية، وبدعم أميركي وأوروبي مباشر بالمال والسلاح.

ونظرا لتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الدول العربية المنتفضة، بات المجتمع الدولي على قناعة تامة بأن السياسية الأميركية في الشرق الأوسط، تساهم بقوة في تعزيز النزاعات الداخلية.

فهي تكثر من التصريحات العلنية التي تندد بالأصوليات الإسلامية، لكنها تساندها في أعمالها العسكرية التي طالت أكثر من دولة عربية، دون أن توجه رصاصة واحدة ضد إسرائيل ومشروعها الاستيطاني الذي يكاد يبتلع كامل فلسطين.

نخلص إلى القول إن سياسة الولايات المتحدة الأميركية تركز دوما على حماية مصالحها الكبيرة في الشرق الأوسط، خاصة النفطية منها، وهي تساند جميع القوى المحلية التي لا توجه سلاحها ضد إسرائيل. وتبنت الانتفاضات العربية واعتبرتها ثمرة "الفوضى الخلاقة" من جهة، والحركات الإسلامية التي وصلت إلى السلطة في تونس ومصر وليبيا واليمن، والتي تعمل على إسقاط النظام السوري من جهة أخرى. لذلك تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الاضطراب، وتقدم فرصة ثمينة لانتعاش التيارات الإرهابية المتطرفة في أكثر من دولة عربية وإسلامية.

كان هدف الانتفاضات الشعبية المعلن هو الإطاحة بالدكتاتوريات التسلطية، لكن السياسية الأميركية ساعدت على إبدال أنظمة تسلطية بأخرى ليس لديها مخطط لضرب مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، ولا تضع تحرير فلسطين على سلم أولوياتها.

وحرف مسار الربيع العربي في اتجاه المقولات الإسلاموية الأكثر تطرفا. كما أن منطقة المغرب العربي في شمال إفريقيا، لم تنج من النزاعات الدموية بعد الانتشار الواسع للحركات الإسلامية المتطرفة في بلاد المغرب الإسلامي. فقد أدى إسقاط نظام القذافي في ليبيا إلى تسريب كميات كبيرة من الأسلحة الحديثة، التي انتشرت على نطاق واسع في دول المغرب العربي.

وأرسلت أعدادا كبيرة من المقاتلين ومن مختلف أنواع الأسلحة الحديثة التي كانت مخزنة في المراكز العسكرية الليبية، للقتال ضد النظام السوري والقوى المتحالفة معه. وانتعشت أيضا حركة الشبيبة الإسلامية في الصومال، ومجموعات الجهاد الإسلامي في ليبيا، وجماعة بوكو حرام في نيجيريا، ومجموعات إسلامية في مالي وتشاد وغيرها.

 وتستخدم هذه المجموعات أحدث التكنولوجيا للتواصل السريع فيما بينها، مما ساعد على توسيع نفوذها في بلاد المغرب العربي وجنوب الصحراء.

ففي عامي 2011 و2012 شنت جماعة بوكو حرام هجمات إرهابية عدة في نيجيريا ومالي وتشاد وموريتانيا، وتورطت في محاولة الانقلاب في مالي. ورفع بعض الحركات الإسلامية في شرق إفريقيا، شعارات تدعو إلى إقامة إمارات إسلامية لتطبيق الشريعة الإسلامية على جميع سكانها.

تعيش منطقة الشرق الأوسط مخاضا عسيرا، بسبب النزاعات في دوله وبين الجماعات القبلية والعرقية والمذهبية فيه. وبدا واضحا أن السياسة الأميركية ساندت الفوضى الهدامة لتدمير الدولة والمجتمع في العالم العربي، لكي تعيد صياغة دوله على أسس جديدة، تسمح بقيام شرق أوسط جديد بتحالف أميركي- إسرائيلي.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات