أخلاقيات التعليم

الاستثمار في مجال التعليم، وكما تؤكد دوماً قيادتنا السياسية، هو الأفضل والأجدى، كونه يلامس حاجات الشباب في التعليم وبناء المستقبل القائم على العلم والمعرفة والابتكار، وبصلاح مخرجاته تصلح كافة أشكال الاستثمار، وإذا كان غير ذلك بات من الصعوبة ضمان نجاح مسيرة التنمية، لأن الإنسان هو غايتها، وهو المخطط والمنفذ لها، والضامن لنجاحها.

لذلك استوقفني بالنظر إلى ما ألزمت به محكمة الاستئناف في دبي، مدرسة برد الرسوم الدراسية لولي أمر طالب، وتعويضه عن الضرر الأدبي الذي لحق به من تدني مستوى الطالب التعليمي في المدرسة، بعد أن أقام ولي أمر الطالب دعوى مدنية ضد المدرسة، التي كان يدرس فيها ابنه القاصر، مطالباً إياها بالرسوم الدراسية عن مرحلتي الصفين الأول والثاني، والتعويض عن الأضرار المادية والأدبية، بسبب رفع ابنه من الصف الأول إلى الصف الثاني بالرغم من تدني مستواه التعليمي، وبعد أن حكمت المحكمة بندب خبير تربوي، أودع تقريره الذي أورد فيه القصور الذي وقعت فيه المدرسة، بشأن علاج تدني المستوى التعليمي للطفل في مرحلة الصف الأول ونقله إلى الصف الثاني، بالرغم من أن مستواه التعليمي لا يؤهله، وعليه حكمت المحكمة بإلزام المدرسة بدفع رسوم المرحلتين، الصف الأول والثاني وهو مبلغ 37 ألفا و500 درهم وتعويض أدبي للطفل بمبلغ 40 ألف درهم.

ولا شك أن موقف ولي أمر الطفل يستحق التقدير، لأن القضية ليست في انتقال ابنه إلى صف ثانٍ أو ثالث أو عاشر، ولكن لأن من ائتمنهم على أغلى ما يملك لم يرعوا الأمانة حق رعايتها، وقصروا في أداء واجبهم المهني تجاه ابنه، ظانين أن نقله من صف إلى آخر كفيل باستخراج شهادة نجاح لمهمتهم أمام أولياء الأمور، وكذلك يضمن لهم تسجيل أبنائهم في ذات المدرسة لأعوام قادمة، تحت وهم هذا النجاح، الذي اعتبره، كتربوي يعمل في مجال التعليم، نوعا من التدليس الذي ينبغي أن تترفع عنه تلك المدارس التي غاب عنها الضمير، واكتفت بالنظر إلى منفعتها الضيقة دون النظر إلى صالح الوطن ككل.

ثم لنوسع زاوية الرؤية لنر كيف هو الحال، لو أن مسيرة هذا الطالب التعليمية قد استمرت على هذا النسق من انتقال شكلي من مرحلة إلى مرحلة، دون إكسابه مهارات حقيقية، ثم وجد نفسه في الجامعة ضمن منظومة تعليمية جديدة لا يصلح معها ما صلح قبلها، ويتعثر في استكمال مسيرته التعليمية في جولاتها الأخيرة، بعدما قضى ما يزيد على اثنتي عشرة سنة يصبو لتحقيق هذا الهدف، وكيف نتوقع للجامعة أن تستكمل بناء على غير أساس متين!

وإذا كان ولي أمر هذا الطالب قد اتخذ هذا الموقف، فكيف بمئات الحالات التي مرت على شاكلتها دون أن يتخذ أولياء الأمور مواقف مشابهة، أو مناقشة إدارة المدرسة على أضعف الإيمان، وهو ما ينعكس على المنظومة التعليمية ككل؟

وهنا أود أن أشدد على الدور الرقابي للأسرة وضرورة متابعة مستوى تحصيل أبنائهم الحقيقي، دون النظر إلى ما يحصلون عليه من علامات قد لا تعبر عن واقع حالهم، وهذا الدور تخلى عنه كثير من أولياء الأمور، مكتفين بدور الممول فقط، وهو ما لا تستقيم معه المفاهيم الحقيقية للتربية بتكامل أدوار عناصرها الفاعلة، وخاصة الأسرة.

إننا في عصر لم تعد الثروة البشرية تقاس فقط بتعدادها الكمي، ولكن بقدراتها النوعية وما تملكه من مهارات للتعامل مع إيقاع متسارع، لم يعد فيه للحشود غير المحترفة تأثير في واقعة وصياغة مستقبله.

وعلى الرغم من أن قوة القانون تقوّم أي اعوجاج في أية جبهة من جبهات التنمية، إلا أن هناك قضايا لا تستطيع قوة القانون وحدها التعامل معها، لأنها تكمن في الضمير الإنساني، وخاصة ممارسات بعض المدارس البعيدة عن المنظور الأخلاقي.

وأذكر موقفاً حين ذهب ولي أمر إلى المدرسة يستوضح أسباب ضعف مستوى ابنه للوقوف على العلاج، وإذا بوكيلة المدرسة تعطيه في سرية بطاقة تحوي عنوان مركز للدروس الخصوصية وتشجعه على إرسال ابنه إليه، الأمر الذي أصاب ولي الأمر بالدهشة من مسلك وكيلة المدرسة، فبدلاً من تصويب الوضع ومناقشة كيف تصلح المدرسة من أدائها بالارتقاء بمستوى طلابها، وهو الواجب المنوط بها القيام به، تصبح هي ذاتها باباً خلفياً أو وسيطاً لتوريد التلاميذ لمراكز الدروس الخصوصية!

ولو أن هذا المسلك صدر عن مدرس رغم عدم قبوله، كان أهون باعتبار أنه تجاوز فرد داخل مؤسسة، أما أن يصبح ذلك توجه إدارة المؤسسة ذاتها، فذاك أمر يبعث على الريبة في أن من مصلحتها الإبقاء على المستوى التعليمي للتلاميذ عند حد يفتح الطريق إلى مزيد من الربح.

المشكلة أن بعض من مدارسنا الخاصة تتعامل مع التعليم بمنطق التجارة بعيداً عن الرسالة السامية له، وهو ذات النهج الذي يجعلها تمطر أولياء الأمور في بداية كل فصل دراسي، بوابل من الخطابات لحثهم على إشراك أبنائهم في دورات السباحة وكرة القدم، وكأن النشاط الرياضي للمدرسة لا يشمل هذه الفعاليات.. إنه نفس منطق التجارة الذي يجعل بعضاً منها تستأجر ألعاباً ترفيهية خلال يوم رياضي بمقابل، وهو ما يحول دون اشتراك كل الطلبة، ولك أن تتخيل الحالة النفسية لتلميذ يرى زملاءه يلعبون ويكتفي هو بالمشاهدة!

هذا فضلاً عن مظاهر العنف اللفظي وغير اللفظي التي يمارسها بعض المعلمين تجاه التلاميذ، وهو ما يؤثر بالتبعية في مسلك التلاميذ بين بعضهم البعض، وهو ما يتطلب أن تكون اللياقة النفسية شرطاً أساساًَ لاختيار المعلمين، إلى جانب كفاءتهم العلمية، لأن ما يمضيه التلميذ من وقت في المدرسة أكثر مما يقضيه في بيته، وكثير من السلوكيات يكتسبها من بيئته المدرسية.

في تقديري أن ما قضت به محكمة الاستئناف في دبي، ليس قضية فرد لكنها قضية وطن يفتح آفاقا رحبة لأبنائه ويذلل لهم الصعاب، ليجيء اليوم الذي يردون له الجميل عبر مشاركتهم في مسيرة البناء، في وقت لا تدخر قيادتنا الرشيدة وسعا لتهيئة أحدث أدوات العصر وانتقاء أفضل الكفاءات العلمية، إلا أن الكفاءة العلمية لا تكتمل بغير معايير أخلاقية، لذا فما قضت به المحكمة من تعويض لولي أمر التلميذ بقيمة ما وقع عليه من ضرر أدبي فاق الضرر الاقتصادي، هو عين الحقيقة والصواب.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات