تشافيز.. شوكة في حلق الامبريالية الغربية

لم تستطع الولايات المتحدة الأميركية بعدتها وعتادها التغلب على هذا الرجل البسيط جدا، ولكن غلبه السرطان بعد صراع لم يدم طويلا. هوجو تشافيز، المولود عام 1954، يعتبر واحدا من بين ثلاثة أو أربعة أضعف زعماء في العالم وقفوا من دون أدنى خوف في وجه أقوى دولة في العالم. هناك جرأة لا تتعدى الدفاع عن النفس. لكن هناك جرأة تتعدى الدفاع عن النفس وتتحول إلى هجوم شرس.

وشافيز كان من هذه الفئة. والأغرب من كل ذلك، أنه كان على بعد قاب قوسين أو أدنى من عدوه العملاق. أي أن الولايات المتحدة الأميركية كان يكفيها صاروخ واحد لكي تفني فنزويلا من الوجود وبعدها ستفرض هيمنتها على بقية القارة الأميركية. لكن تشافيز ــ على شاكلة كاسترو ــ لم يرعبه هذا التهديد ولا الحجم الهائل لامبراطورية العم سام.

وظل يظهر عداءه بشجاعة قل نظيرها هذه الأيام، شجاعة نحن بحاجة إليها في مثل هذه الأوقات التي تحولت فيها المبادئ إلى نفاق والجرأة إلى مراوغة والحق كلمة يراد بها باطل.

كان أمام تشافيز واحد من أمرين: إما أن يستسلم للضغوط ويسير مع التيار وتصبح فنزويلا وشعبها واقتصادها في أمن وأمان، وتتحول بالتالي إلى كويكب يدور في فلك الدول الغربية ويخسر الكثير مما يعتقد به ويفقد بالتالي ضميره، أو أن يسبح ضد التيار وتصبح فنزويلا إيران الثانية.

ومع قلة ناصريه، وقف شافيز ليس فقط يسبح بل يستفز بتصريحاته وتصرفاته هذه الدولة التي يرتعد منها العالم خوفا على الرغم من تدهور حالة الولايات المتحدة الصحية هذه الأيام. وربما من أكبر تحديات تشافيز لأميركا تلك العلاقة المعلنة صراحة التي وطدها مع إيران. ولم يجمع بين الشريكين سوى موقف العداء لأميركا وسياستها التي تقوم على الهيمنة وسحق الضعفاء بكل ما أوتيت من قوة.

في الواقع، أننا نتجاهل المعاني المخيفة التي تنطوي عليها بعض المصطلحات والتي تعكس الحقيقة المرة التي نعيشها بعدما فقدت ردة الفعل علينا عند سماعها بسبب التكرار: الاستعمار، الاستغلال، الامبريالية، المادية، المصالح الغربية، الاستعباد، الذل، العنصرية، الاحتقار.

وهناك قلة ممن تمسكوا بها حتى آخر رمق ويعلمون أنهم الخاسرون بسبب مواقفهم. تشافيز، قاد انقلابا وهو لم يزل في عمر الثامنة والثلاثين لكي ينقل إلى الواقع ما يؤمن به. لكنه فشل، و سجن على إثر ذلك. ثم بمجرد أن أطلق سراحه سارع لتكوين حركة يسارية تدافع عن حقوق الفقراء ضحايا سياسات الامبريالية الغربية متخذا من الرئيس الكوبي الأسد العجوز - أبا روحيا يلهمه أفكاره وسياساته.

مشكلتنا الرئيسية أننا لا نميز بين كلمة صديق وصاحب غرض. فالعرب يعلمون جيدا مواقفه المعلنة في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين ومهاجمته المستميتة لسياسة الدولة الصهيونية التي اتهمها مرارا وتكرارا بالإرهاب ودعى إلى محاكمة المسؤولين الإسرائيليين عن المجازر التي ارتكبت بدم بارد في غزة وقبلها في لبنان.

غير أن العرب ليس فقط وقفوا موقف المتفرج أمام تلك المجازر، بل سدوا آذانهم عن سماع تصريحات شافيز وكأنه كان يدافع عن حق من حقوقه المسلوبة! ولم يكن تشافيز يطلب تضامنا من الدول العربية لعلمه المسبق بمدى هيمنة الدول الغربية على عواطفنا وقراراتنا.

حيث لم تكن له في بلادنا أطماح كباقي الدول، وفنزويلا غنية بالنفط، وإنما كان يريد منا أن نفتح عيوننا على واقعنا المرير وأن لا نصدق وعود الغرب. وبالفعل هذا ما حدث عندما قامت الثورات العربية، فسرعان ما تخـلى الغـرب عـن حلفائهم الكبار من العرب. تشافيز محسوب على المعسكر اليساري وتقع فنزويلا في الطرف الآخر من الكرة الأرضية.

تشافيز قضى نحبه، واتهمت بعض الصحف الولايات المتحدة بتسميمه بغية التخلص منه كما تخلصت إسرائيل من قبل من ياسر عرفات وغيره ممن يقفون حجر عثرة أمام تطبيق سياساتهم. ولا أحد يعرف الحقيقة إلا الله. وبذلك تنفست الولايات المتحدة الأميركية الصعداء وهللت إسرائيل فرحا، لموت رجل وقف لهم في حلقهم كشوكة لا تنزل ولا تطلع.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات