المتساقطون من الجسر

لم يقطع استمتاع الطبيب بمشيهِ على رصيف النهر سوى صراخ شخصٍ يغرق، فقفز في الحال سابحاً ناحيته و أنقذه، ولم يكد يصل للرصيف حتى سمع شخصاً آخر يغرق فعاد إليه وأنقذه، ثم ثالث ثم رابع حتى أصابه الإعياء لهذه الحادثة المتكررة دون سبب، وقبل أن يعود للغارق الجديد حانت منه إلتفاتةٌ سريعة ناحية الجسر ليُصدَم برؤيته لمجنونٍ يُمسِك بالمارة و يلقيهم في النهر!

في أغلب أوقاتنا نضيع مع التفاصيل وفي ما يُدعى عمليات "إطفاء النيران" أو إنقاذ الغرقى كصاحبنا، وهي حياةٌ يوميةٌ قائمة على ردّات الفعل للأحداث من حولنا، لا نخرج من مطبٍ حتى نقع في مطبٍ آخر، و نتناسى في خضم ذلك الانشغال اللامنتهي لأبعاد الصورة الكبيرة وماذا نريد أن نكون أو تكون عليه حياتنا.

وتضيع أزماننا في أمورٍ ثانوية جعلناها ربما عن دون قصد أموراً ذات بال، تُشغلنا حقاً وتستنزف طاقاتنا الذهنية والبدنية وتتساقط معها أيامنا كأوراق يُطوّح بها الريح في أيام الخريف، لكنها لا تجعلنا نغادر تلك الحلقة المفرغة التي ندور فيها دون توقف ولا تُقرّبنا إطلاقاً إلى تلك الأحلام الكبيرة التي طالما حدثنا أنفسنا بتحقيقها بل ولا توصلنا إلى أي مكان!

إن ضربات الحظ الكبرى للنجاحات و تَسَلُمك الصورة الكبرى على طبق من ذهب قد تكون انتهت منذ أن خرج الرحالة الايطالي كريستوفر كولمبوس بحثاً عن طريقٍ للهند لا يمر بأرض "المحمديين" - على حدّ قوله - ومعتمداً على خرائط زميله باولو توسكانيلي ليجد نفسه على شواطيء أمريكا الشرقية.

ورغم أن من رآهم لا يشبهون الهنود إلا أنّه لـ"تناحته" أسماهم رغماً عنهم "الهنود الحمر"، وهي من المرات القلائل التي يتوافق بها الحظ مع عدم صحة الفرضيات المنطقية، أو كما يقول مثلنا الشعبي "أضرب شجر ويطيحن أرانب".

ولكن لم يعد هناك لا شجر ولا أرانب مالم نزرع ونعتنِ بأنفسنا، فالحظ الفعلي هو ما يختبيء خلف العمل المضني والتخطيط السليم، ولن نجد ناجحاً بلغ المجد وهو "مطنّش" لا يترك الملحق الرياضي إلا ليبحث عن مباراة أو فيديو كليب أو مسلسل حريم السلطان وقد وضع على موبايله رسالة: "ملل تايم"!

الصورة الكبيرة تعني أن نعرف ماذا نريد أن نكون في قادم الأيام، وأين نحن الآن، وما هي المراحل التي يُفترض أن نمر بها حتى نصل لذلك الهدف البعيد، وكيف نُجزئ ذلك الهدف الكبير إلى أهداف صغيرة يُكمّل بعضها بعضاً حتى يسهل علينا أمر تحقيقها تباعاً، وما هي الوسائل التي سوف نتبعها لذلك المسعى، والأهم من كل ذلك: ما هي المعايير التي سوف نستخدمها لنتأكد من صحة الخطوات وظهور النتائج المرجوّة وبأننا في المسار الصحيح و م نَعُد لتلك الحلقة المفرغة ليضيع فيها العمر والجهد والـحُلم أيضاً !

الصـورة الكـبيرة لا تعـني النظـر للأمـام فقـط، بـل هي شمولية أكـثر، هـي أقـرب لسـباق السيارات، إذ لا يكفي تركيزك على ما أمامـك لتفـوز بـل لا بد أن تنتبه لمن حولك من منافسين ولمن هم قادمون من خلـفـك، وإلى مؤشرات سيارتك الحيوية حتى لا تتعطّل أو ينفد وقودها ويسبقك البقيّة ويذهب مجهودك هدراً لتقصيرك في النظر للمنافسـة بطريقـة شمولية.

فكل ما يحدث الآن هو مما بدأ بالأمس وما يمـر حالياً سيتواجد بشكل أكبر في الغد، ودورك أن تنتبه لتعرف إن كان ما يحدث هو ما تتمناه أو لا، فكثرة تعرضك للأمراض تعـني سـوء تغذيتك بالأمس وضعف اهتمامك الصحي بنفسك.

وابتعاد الآخـرين مـن حـولك تعني أن سلوكياتك سابقاً قد أبعدتهم عنك ولا يبدو أنّك تغـيّر ذلك حالياً وسيستمر ذلك مستقبلاً، هنا لا بد أن تنظر للخلف لمعرفة أسباب ما يحدث حالياً لك من فشلٍ أو نجاح لإصلاح الخطـأ وتدعيم الصواب، أمّا التعامي عن ذلك و البحث عن شماعةٍ لإلقاء اللوم عليها فليست سوى تهرّب لا معنى له من واقعٍ ممكن التعديل.

قضيةٌ أخرى ذات علاقة هي أن تتخلص تلك الصورة وخطة الوصول لها من الافتراضات تماماً، ويتم ذلك بطرح الأسئلة المهمة على الدوام، فمن يتعالى عن السؤال خوفاً على "البرستيج" لن يذهب بعيداً عندما يبدأ، وها هـو جاك ويلش يؤكد ذات المعنى قائلاً : "شخصٌ ما في مكانٍ ما يعرف فكرةً أفضل" ، فبدلاً من "قد" أو ربما" أو "من المتوقـع" قم بسؤال من قام بعملٍ مشابهٍ ونجح، وابحث عن أفضل الطرق المجرّبة لذلك، واستفسر عن المشاكل التي تعترض الطريق وكيف تخلّص الناجحون منها بدلاً من "خلنا نبدأ و بعدين يحلّها ألف حلّال!"

إنّ هـذه المنهجـية تشـترط أولاً أن تخرج من شرنقة ما يعرف بمنطقـة الراحـة Comfort Zone إن كنتَ جاداً في التفوّق على الآخرين، فذلك لن يتأتى مالم تتفوّق على نفسك أولاً وتطوّر قدراتك فيما لا تعرفه بدلاً من بقاءك متقوقعاً على ما تعرفه.

و كما قيل فإنّ السُفن أكثر أماناً في المرفأ ولكنها لم تُصنع لتبقى هناك بل لتمخر عُباب البحر وتلاطم أمواجه، وتفوقك على نفسك يبدأ بوضع أهدافٍ حقيقية، وأول شروط حقيقتها أن تضع لها زمن بداية وزمن نهاية ومـا عـدا ذلك لن يكون سوى أحلاماً لا أساس لها، آخذين في الاعتبار ضـرورة ترتيب الأولـويات ومعرفة المهم والأهم.

والمطلوب والطارئ حتى لا يضيع الوقت في المفضول ويُستنفَد الجُهد فيما يمكن تأجيله، وحتى تختصر طريقك للوصول لمرادك بدل أن تستنفد طاقتك في أمور ثانوية ويغرق ذلك الطبيب مع أولئك المتساقطين من فوق الجسر !

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات