فلسطين في إدارة أوباما الثانية.. لا جديد

تشير الدلائل إلى أن إدارة أوباما الثانية لن تأتي بجديد بشأن القضية الفلسطينية، فقد كان واضحا أن تلك القضية لم تحتل أولوية على أجندة زيارة كيري للمنطقة. ورغم أن أوباما أعلن احتمال إلغاء زيارته لإسرائيل إذا لم تتشكل الحكومة الإسرائيلية قبلها، إلا أنه حتى لو زارها فإن الزيارة ليست مصممة على نحو يسفر عن شيء ذي بال بشأن فلسطين.

ولعل البصمة الأساسية لإدارة أوباما الأولى في السياسة الخارجية، كانت التحول شرقا إلى آسيا، وهو توجه هدفه الرئيسي احتواء الصين ومنعها من الهيمنة على جنوب وشرق آسيا. وبالفعل أصبح أكثر من 60% من القوة البحرية الأميركية متمركزة في غرب المحيط الهادئ، وتصاعدت التدريبات البحرية الأميركية مع اليابان والعسكرية مع الفلبين. إلا أن هذا التوجه الأميركي ظل طوال الأعوام المنصرمة مصدر قلق لأوروبا، فهو يعني بالنسبة لها تجاهلا لدعمها في فترة اقتصادية عصيبة، وربما تنافسا اقتصاديا معها في آسيا.

ومن هنا كان اختيار كيري لأوروبا لتكون المحطة الأولى في أولى زياراته الخارجية. فأوباما حاول علاج ذلك القلق الأوروبي مؤخرا في خطاب الاتحاد، عبر الإشارة لما يسمى "الشراكة عبر الأطلسي في التجارة والاستثمار"، في محاولة للتأكيد على أن التوجه شرقا لا يعني تجاهل أوروبا.

ورغم احتلال تلك القضية مكانة مهمة في زيارة كيري الأوروبية، إلا أن المحطات الأوروبية والعربية ركزت على عدد من القضايا العربية، ليس على رأسها حل القضية الفلسطينية. فهي انشغلت في الأساس بسوريا وإيران، فضلا عن التعاون الثنائي مع كل بلد عربي على حدة.

والحقيقة أن هناك اعتبارات موضوعية، تشير إلى أن إدارة أوباما الثانية لن تقدم جديدا للقضية الفلسطينية. أول هذه الاعتبارات هو ما أعلنه البيت الأبيض صراحة، من أن زيارة أوباما لن تحمل أية مبادرة جديدة بخصوص القضية الفلسطينية. معنى ذلك أن هناك احتمالا لأن يمر العام والنصف الأوليان من عمر الإدارة الجديدة، دون تطور يذكر. وهذا في حالة حدوثه، يعني استحالة عملية إنجاز شيء حتى نهاية ولاية أوباما.

والسبب في ذلك يتعلق بدورة حياة الإدارة، فمقولة أن الرئيس الأميركي يستطيع طوال إدارته الثانية أن يتحرك بجرأة في السياسة الخارجية لأنه يتحرر من قيود خوض الانتخابات، أسطورة لا أساس لها. فالرئيس في فترة ولايته الثانية، يكون مقيدا بالانتخابات وبغيرها من الاعتبارات المهمة.

لذلك، فإن العام الأول بعد إعادة انتخابه، يكون هو العام الوحيد الذي يستطيع أن يتخذ فيه قرارات جريئة في السياسة الخارجية. فهو يكون قد خرج لتوه من انتخابات فاز فيها للمرة الثانية وتأكدت شرعيته ولا يزال يحتفظ بشعبية كبيرة، وقد يظل الحال كذلك لبضعة شهور في بداية عامه الثاني.

لكن مع انتصاف العام الثاني من عمر إدارته الثانية، تكون انتخابات الكونغرس على الأبواب، وصار على الرئيس أن يتجنب أن يؤثر على فرص حزبه في تلك الانتخابات، التي تكون ضعيفة أصلا بالمناسبة. فالخسارة الكبيرة لحزبه في الكونغرس، تعني شل يده داخليا في ما تبقى من مدته. لذلك فهو يبتعد عن تبني قضايا داخلية أو خارجية خلافية تخصم من فرص حزبه.

وتنتهي الانتخابات ليجد الرئيس نفسه في العام الثالث، فيشرع في الاهتمام بالقضية الداخلية التي يريد أن يختم بها وجوده في السلطة. ومع مرور بعض الشهور يتحول الرئيس إلى "بطة عرجاء"، فالكل في الداخل والخارج يعرف أنه سيترك الحكم بعد شهور، ويفضل الانتظار حتى يأتي خلفه للتفاوض معه.

لكن هناك حالات ينجح فيها الرئيس الأميركي في إحداث إنجاز خارجي في عامه الثالث، إلا أن الشرط الرئيسي لمثل هذا النجاح، هو أن يكون ذلك الموضوع الخارجي قد حظي باهتمام رئاسي وبتقدم طوال الأعوام السابقة، فيسهل تكثيف الجهود لإنجازه في اللحظات الأخيرة. وهذا الشرط لن ينطبق على القضية الفلسطينية، إذا ما ضاع العام الحالي دون اهتمام مكثف من الإدارة.

أما الاعتبار الثاني فيتعلق بالواقع على الأرض في واشنطن، فهناك ما يشير إلى سعي منظم للتركيز على إيران وغيرها من القضايا، لصرف الانتباه بعيدا عن القضية الفلسطينية، وهو بالضبط ما تريده إسرائيل. ففي الكونغرس استعد اثنان من الصقور في مجلس الشيوخ، هما ليندزي غرام الجمهوري وروبرت مندز الديمقراطي، لطرح مشروع قرار مشترك يصدر عن المجلسين، ينص على دعم إسرائيل "دبلوماسيا وعسكريا" إذا ما وجهت ضربة عسكرية لإيران.

أما البيت الأبيض، المرجح أن يكون نفوذه في الإدارة الثانية أكثر ثقلا في إدارة السياسة الخارجية بالمقارنة بوزارة الخارجية، فيبدو أن فيه أيضا من يريد التركيز على قضايا أخرى بدلا من القضية الفلسطينية.

ففي الوقت الذي كشفت فيه الفايننشال تايمز عن أن الاتحاد الأوروبي أصدر مؤخرا تقريرا يقول إن المستوطنات هي التهديد الأول على الإطلاق أمام حل الدولتين، ويوصي بالحد من التجارة والاستثمار والسياحة في الأرض المحتلة، نشر مستشار الرئيس للأمن القومي توم دونيلون، مقالا في صحيفة النيويورك تايمز الدولية، ركز فيه على حزب الله وطالب فيه أوروبا باعتباره منظمة إرهابية، بعد أن ضغطت الولايات المتحدة على بلغاريا لإصدار بيان اتهمت فيه حزب الله بالمسؤولية عن قتل ستة من السياح الإسرائيليين على أرضها.

اللافت هنا هو أن توقيت مقال دونيلون يحمل دلالة تتعلق بتغيير الموضوع مع أوروبا، من المستوطنات إلى قضية أخرى. وقضية الاستيطان تظل قضية محورية بالنسبة للقضية الفلسطينية، فهل يطرحها أوباما أصلا في زيارته لإسرائيل؟

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات