نحن والانستغرام..

هل وصل الإنسان إلى مرحلة الفراغ المطلق؟ هناك سيل عارم من الانجراف البشري نحو المجهول. لنترك جانباً من يعملون دون توقف على الرقي بحال البشر إلى ما هو أفضل في كل مجالات الحياة، غير أن هناك من يقوم باكتشافات لا نعرف بعد مدى نفعها للبشرية، وما ستؤدي إليه في الزمن القريب.

لقد تحولت مهمة التكنولوجيا، من سد نقص كبير في حياة الإنسان من خلال حل المعضلات المعقدة والبحث عن المعلومة البعيدة وتحليل البيانات الدقيقة والتواصل بين البشر من خلال الرسائل الالكترونية في لمح البصر، إلى غرفة بحجم جهاز لوحي، تسبح فيه مئات الملايين من المدمنين الباحثين عن سد الفراغ.

هكذا انتقل الإنسان مع تطور البرمجة، من مبدع إلى باحث عن الثراء من خلال بيع نشوة الفراغ المطلق. أصبح هناك ما يشبه التشبع من التكنولوجيا المفيدة التي قد لا تدر كثيراً على صاحبها، أو ربما أصيب البشر بلوثة عقلية أمام هذا الكم الهائل من المعلومات المتوفرة بضغطة زر، فاقت توقعاته وقدراته على استيعابها، فأصيب على إثرها بنوبة صرع مزمنة!

ترى، هل ساعدت سهولة الانتشار التي نتجت عنها سهولة الكسب المادي (التي وصلت إلى أرقام فلكية)، الذي حظي به بعض من هم في ريعان شبابهم في مجال الإنترنت، على السير على الطريق نفسه؟

هل كانت البداية على يد مارك زوكير بيرك، ذلك الصبي الذي لم يتجاوز عمره آنذاك العشرين عاماً عندما وضع اللمسات الأخيرة لبرنامج التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، والذي يعتبر من أكثر مواقع التواصل الاجتماعي إثارة عند اكتشافه؟ وإذا بهذا الصبي يتحول من شاب مراهق، إلى رجل أعمال يتربع على عرش إمبراطورية لا متناهية الأطراف؟

وإذا أردنا تتبع آثار هذا التطور، سنضطر للعودة إلى بداية التسعينات من القرن الماضي عندما انتشرت، خاصة بين الشباب، برامج المحادثة الإلكترونية المباشرة، عن طريق ما كان يطلق عليه آنذاك "فري تل Freetel". بعد ذلك تشكلت شبكة عنكبوتية متشعبة ومعقدة، قائمة على ما نسميه اليوم التواصل الاجتماعي الإلكتروني.

وأصبح بإمكان أي كان أن يتعرف على أشخاص من جنسيات وفئات وأشكال مختلفة لا يعرفها. وعندما انتشرت هذه الظاهرة اكتشفت الشركات الكبرى أنها أمام مغارة علي بابا السحرية، فاستغلت تلك المواقع لنشر إعلاناتها، وكلما نجح أصحاب تلك المواقع كلما ازداد طلب شركات الإعلان عليها، وازدادت بالتالي مكاسب صاحبها، وهكذا.

بل إن بعض المبرمجين استطاعوا أن يتخصصوا في مواقع تجمع وتعرض لمن يشاء بيانات رجال الأعمال، أو من يرغب في عرض إمكانياته لتسهيل التواصل معه. وهناك شركات تخصصت في عرض خدماتها في كل النواحي، من البيع بالمفرق، إلى البيع بالجملة، إلى خدمات الترجمة! ولكنها، عندما تأكدت من نجاح مشروعها أصبحت تفرض رسوم اشتراك سنوي على المنتسبين إليها.

وتشعبت المواضيع فدخل الهاتف المتحرك في المعركة، وتخصص بعض المبرمجين في تقديم برامج في شتى المجالات. فقد تجد مثلاً مئات البرامج التي تحدد لك أوقات الصلاة بالمجان، ثم تبدأ تغريك بميزات إضافية على هذا البرنامج مقابل 90 سنتاً، أي أقل من أربعة دراهم.

وبين ليلة وضحاها، يصبح المبرمج مليونيراً بلمسة زر المشترين في شتى أنحاء العالم، ممن ليس لديهم سوى البحث عن برنامج يرضي غرورهم، معتبرين أن قيمة الاشتراك تساوي أقل بأربعة أضعاف من سعر فنجان قهوة عادي. واكتشف آخرون أنه من الممكن أيضاً بيع الفراغ إلى المستهلكين الذين وقعوا ضحية الشباك العنكبوتية دون مقابل، وتحول المستهلكون العنكبوتيون تدريجياً إلى مدمنين من نوع جديد، وأصبحوا بسبب الفراغ العام، يلتهمون أي صرعة جديدة في عالم التواصل.

فبعد الفيس بوك، واللنكدن، والمسنجر والواتساب والانستغرام والكييك، دخلت في اللعبة صرعات أخرى مستخدمة إمكانيات الشبكة العنكبوتية للشهرة والثراء والصعود فجأة إلى مصاف المليارديرية، بمجرد نشر أغنية حتى ولو كانت هابطة على مستوى كجنام ستايل!

هناك لا شك فراغ من نوع ما، وأصبح إنسان اليوم كالمدمن يبحث ضائعاً عن طريقة لملء رئتيه بالوهم، وأصبحنا أشبه ما نكون بتلك الفأرة البيضاء التي ظلت تدور في عجلة مفرغة، غير قادرة على الخروج منها إلا بالموت...

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات