الرئيس التنفيذي الخارق

في عام 1999 كانت أندريا جانغ الأميركية ذات الأصول الصينية، على موعد مع أهم مكالمة في حياتها، فقد كان الاتصال من رئيس مجلس إدارة شركة «أفون» لمستحضرات التجميل، الذي أخبرها بأنها ستكون الرئيس التنفيذي الجديد لـ«أفون»، وبأنها أول امرأة تصل إلى هذا المنصب في تاريخ الشركة الممتد لأكثر من 126 عاماً.

ولمدة 12 عاماً استطاعت أندريا جانغ ضخ روح التحدي والشباب في أوصال الشركة المريضة وإعادة الحياة إليها، كما استطاعت مضاعفة أرباح الشركة من 4 مليارات دولار إلى 10 مليارات دولار عام 2010، وتغيير استراتيجيتها في المبيعات، وإعادة بناء الهوية المؤسسية للشركة ودخول أسواق جديدة كالصين وآسيا، حتى أصبحت «جانغ» مصدر إلهام للكثير من الرجال والسيدات على مستوى العالم. وبالإضافة لمنصبها رئيساً تنفيذياً لـ«أفون»، واعترافاً بقدراتها وإنجازاتها، فقد تم تعيينها في مجلس إدارة شركة «أبل» وشركة «جنرال إلكتريك».

 ولكن المفاجأة المدوية كانت إقالتها هذا العام من شركة «أفون» لضعف أدائها، فقد أصبحت التزاماتها الأخرى عبئاً على شركة «أفون»، وأصبح واضحاً للجميع عدم قدرتها على التوفيق بين وظيفتها رئيسة تنفيذية «لأفون»، وعضويتها في مجلسي إدارة «أبل» و«جنرال الكتريك»، وقد أبدى المساهمون قلقهم وانزعاجهم لعدم وجود جدوى اقتصادية للشركة من عملها كعضو مجلس إدارة في شركات أخرى.

وقد أعطت التشريعات الجديدة التي تم تبنيها بعد الأزمة المالية العالمية، الكثير من الصلاحيات الرقابية للمساهمين. ففي الولايات تم إصدار قانون إصلاح «وول ستريت» وحماية المستهلك، والمعروف بقانون «دود- فرانك»، والذي أعطى قوة رقابية أكبر للمساهمين على أعمال مجلس الإدارة، وزاد من متطلبات الإفصاح والشفافية، وساعد المساهمين على طرح أسئلة جدية عن بعض الجوانب التي لم تكن تطرح سابقاً، ومنها ماهية الأعمال الأخرى التي يزاولها الرئيس التنفيذي.

ويرى المساهمون أن عدم تفرغ الرئيس التنفيذي لإدارة الشركة، وعمله في شركات أخرى كعضو مجلس إدارة، قد يكون بحد ذاته أحد المخاطر التي يجب التعامل معها بجدية، وعلى مجلس الإدارة عمل حسابات دقيقة للربح والخسارة وانعكاس هذه الالتزامات على أداء الشركة.

وكذلك فإن العلاقة القانونية التي تربط الرئيس التنفيذي بالشركة هي علاقة عمل، تتطلب أن يتفرغ الموظف ذهنياً وجسمياً لعمله، وعدم انشغاله بالعمل لدى جهة أخرى. وإذا افترضنا جدلاً أن مجلس الإدارة لم يعترض على استقطاع الرئيس التنفيذي لجزء من وقته للعمل كعضو مجلس إدارة أو مستشار في شركة أخرى، فهل يجوز للمساهمين الاعتراض والتأكيد على حق الشركة في الحصول على كل جهود الرئيس التنفيذي؟

من خلال خبرتي الشخصية كأمين سر سابق لمجلس إدارة إحدى الشركات المساهمة العامة، فإن العمل كعضو مجلس إدارة يتطلب حضور اجتماعات طارئة، والتحضير المسبق للمواضيع المعروضة على جدول الأعمال، ولذا فإن معظم الدراسات وقوانين الحوكمة، تذهب إلى أن التحضير لاجتماع مجلس إدارة يستلزم تخصيص ما لا يقل عن أسبوع.

فإذا افترضنا أن الرئيس التنفيذي سيحضر ثمانية اجتماعات سنوية في شركة أخرى، فستكون المحصلة هي أن الرئيس التنفيذي سيحتاج إلى ما لا يقل عن 8 أسابيع عمل سنوياً، للتحضير ومراجعة الأوراق المتعلقة بالاجتماع! وقد يقع الرئيس التنفيذي في مرمى الدعاوى القضائية من قبل المساهمين للإهمال، في حالة عدم تخصيصه الوقت الكافي للشركة التي يعمل فيها.

وعلى النقيض من هذا الرأي، يذهب البعض إلى أن عمل الرئيس التنفيذي في مجالس إدارة شركات أخرى، يعطيه مهارات جديدة مثل زيادة مداركه واكتساب فنون جديدة في القيادة والإدارة، من خلال مراقبته وإشرافه على أقرانه من الرؤساء التنفيذيين، ما ينعكس على أدائه في عمله ويجعل منه رئيساً تنفيذياً متطوراً غير تقليدي. ولا ننكر أن المخاطر والكوارث التي يتعرض لها بعض الشركات، هي تجربة مفيدة وعملية للرئيس التنفيذي، تساعده على تطوير آلية للتعامل معها مبنية على التجربة والممارسة وليس على النظريات.

كذلك يجب ألا نتجاهل الإيجابيات المتعلقة بالسمعة والثقة، التي قد يوليها بعض المستثمرين للشركة التي يتولى رئيسها التنفيذي منصباً في مجالس إدارات شركات رائدة في السوق، ما قد يضيف قيمة اقتصادية مضاعفة للشركة ومساهميها.

وفي دراسة حديثة لشركة «سبنسر ستيوارت» المتخصصة في الاستشارات، اتضح أن نسبة الرؤساء التنفيذيين الذين يعملون كأعضاء مجلس إدارة في شركات أخرى، قد انخفض من 53% عام 2000 إلى 26% عام 2010 في الشركات المدرجة في قائمة «إس أند بي 500».

ومحلياً فإننا لا نملك في دولة الإمارات دراسات دقيقة في هذا المجال، ولكن بنظرة سريعة على بعض الشركات المساهمة العامة، نجد أن بعض وليس كل الرؤساء التنفيذيين لديهم أكثر من 5 أو 8 أعمال أخرى بالإضافة لمنصب الرئيس التنفيذي، مثل عضوية مجالس إدارة شركات أخرى في الدولة أو خارجها، أو عضوية مؤسسات خيرية وغيرها.

لذا نتساءل عن آلية عمل هؤلاء الرؤساء التنفيذيين وكيفية قيامهم بالتزاماتهم الوظيفية الأخرى، وإن كنت شخصياً أعتقد أن الرؤساء التنفيذيين الذين يدعون قدرتهم على الجلوس في أكثر من مجلس إدارة، هم في الحقيقة من عالم آخر!

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات