برلسكوني وشرعنة الرشوة في عالم الأعمال

الفساد ظاهرة واسعة الانتشار، والخوض في بحوره شائك ومعقد وقد يكون خطرا في بعض الأحيان، فهو إن جاز التعبير، وحش له أنياب حادة، على من يسعى لمقاربته توخي بعض الحذر. هذه الظاهرة قديمة قدم الإنسان على سطح الأرض، وقد عبرت عن وجودها في المجتمعات عبر العصور في مظاهر شتى.

وقد خدم الفساد مصالح أفراد ودول، وتسبب كذلك في تدمير أفراد ودول، إذ طالما أطاح بشخصيات ومؤسسات في عدد من دول العالم، وطالما أنقذ في الوقت نفسه بعض هؤلاء من الإطاحة والمحاسبة.

ومع أن الفساد موجود في جميع بقاع العالم بأنواع ومستويات متفاوتة، إلا أنه بمثابة الآفة في الدول النامية، لأنه تحول في بعضها إلى مؤسسة قوية قادرة على التأثير في المسارات السياسية وإخضاعها لأجندته، لأن هذه الدول تفتقد الكثير من البناء المؤسساتي، أو أن مؤسساتها لا تزال هشة طرية دون مناعة كافية.

 والحقيقة أنه ليست هناك حاجة لإقامة الدليل على ذلك، لأن مؤشرات وجود الفساد ودرجة تغلغله في العديد من هذه الدول واضحة للعيان، إذ يكفي القيام بزيارة لهذه البلدان، والتعرف ميدانياً على وضع بنيتها التحتية والمستوى المعاشي لشعوبها في ضوء الموارد المتاحة لها.

يجري الحديث عادة عن الفساد المالي والإداري ويُنسى ما هو أكثر خطورة، وهو الفساد السياسي والطبقة السياسية المعتاشة عليه، فهي المصدر الرئيس للفساد لأنها هي التي تتحكم في مصائر البلدان وثرواتها، وهي التي تلوي أعناق القوانين من أجل شرعنته.

الرشوة تحتل المساحة الأوسع في فضاءات الفساد وهي تعني، بعبارة بسيطة، أن شخصا ما أو مؤسسة ما، يدفع أو تدفع مالا أو يقدم أو تقدم خدمة لشخص ما أو لمؤسسة ما، للاستفادة من حقوق ليست له أو لها، أو لإعفاء نفسه أو إعفائها من تبعات وظيفية أو مالية أو أخلاقية أو غيرها. وللرشوة أركان ثلاثة هي: الراشي والمرتشي والرائش، أي من يمنح الامتيازات ومن يستفيد منها، والوسيط بينهما الذي يستفيد عادة من كلا الطرفين.

فضاءات الرشوة سرية للغاية، تختفي فيها أو تضعف إلى حد كبير القيم الأخلاقية، لأن دخول الرشوة في أية صفقة مهما بلغ حجمها، يعرض أطرافها للمساءلة بتهمة ممارسة نشاط غير مشروع لا تسمح به القوانين أو الأعراف أو القيم، أو مضر بمصالح أفراد أو مؤسسات أو دول. فهي عملية احتيال للحصول على حقوق غير مشروعة من جهة، وانتهاك حقوق آخرين من جهة أخرى.

الرشوة لها تأثير سلبي كبير على اقتصاد البلد الذي تنتعش فيه، فدورها لا يقف عند حد هدر ثروات البلد، بل ينسحب إلى ما هو أبعد من ذلك. فحين تصبح أمرا عاديا في الصفقات التي تتم في عالم الأعمال، تختل قيم هذا العالم ويتداعى مبدأ التنافس الذي يستند إلى عاملي الجودة والسعر. وتعمل الرشوة، من جانب آخر، على انتعاش الجريمة المنظمة، وتضعف كذلك الثقة بالمؤسسات القائمة.

في سياق الحديث عن الرشوة، فجر سلفيو برلسكوني، رئيس الوزراء الإيطالي السابق ومرشح يمين الوسط في الانتخابات التشريعية الأخيرة، قنبلة من الوزن الثقيل في عالم الأعمال وعالم السياسة.

فقد صرح في السابع عشر من فبراير المنصرم، تعقيبا على عملية اعتقال جوزيبي أورسي رئيس شركة «فينميكانيكا»، إحدى أكبر الشركات الإيطالية المتخصصة في صناعات الأسلحة الدفاعية، على خلفية تهمة بيع طائرات هليكوبتر للهند عن طريق الرشوة، قائلا "إن دفع رشاوى معينة للوصول إلى الأسواق يعد أمرا ضروريا، ونفيه يعتبر نوعا من النفاق".

برلسكوني يمتلك أكثر من غيره الشجاعة لقول الحقيقة، فهو يكشف ما لم يجرؤ سياسيون آخرون في دول أخرى على البوح به، رغم معرفتهم بأبعاد انغماس بعض شركاتهم في الفساد الذي ينخر بنية المؤسسات الاقتصادية في بعض الدول النامية، بفعل فساد النخب السياسية الحاكمة واستئثارها بالسلطة.

تصريحات برلسكوني هذه ليست عادية، فهي ليست للدفاع عن إحدى الشركات المتهمة بتقديم الرشوة، بل هي دعوة صريحة لتبني سياسة تهدف إلى إفساد النخب الحاكمة في البلدان النامية، وجعل الرشوة وسيلة لتسهيل الحصول على أفضل الصفقات التي تستفيد منها الشركات الغربية، بغض النظر عما يلحق بتقاليد عالم الأعمال من ضرر، ورغم تعارضها مع القيم الأخلاقية التي أصبح الغرب يدعو للالتزام بها، في ما يتعلق بحقوق الإنسان وحقوق الشعوب.

دعوة برلسكوني لإغراق عالم الأعمال بالفساد، تحتم على الدول النامية، الضحية الأولى للفساد، إعادة النظر في المعايير المعمول بها لإقرار الصفقات مع الشركات الأجنبية. إلا أنه، من جانب آخر، تنبغي مراعاة أن يكون هناك بعض المرونة في التعامل مع بعض الممارسات في عالم الأعمال وفي عالم السياسة، التي لا تلحق الضرر بالمصالح العامة، إذ يرى البعض أن القليل من التجاوز عن الأعراف الصلدة لتسهيل عقد الصفقات في عالم الأعمال.

وهو ما يطلق عليه في العرف الغربي مصطلح "سويتنسsweetness "، لا يدخل في خانة الفساد، فهو بمثابة الزيت الذي لا غنى عنه في تشغيل الماكنة، ولا ضرر منه طالما أنه لا يخل بتقاليد عالم الأعمال ولا يلحق الضرر بالمصالح العامة.

كما أن هناك بعض الممارسات في عالم السياسة قد تبدو للوهلة الأولى مظهرا من مظاهر الفساد، إلا أن من الصعب اعتبارها كذلك، فاستخدام النفوذ والموقع الوظيفي المتميز والصلاحيات المتاحة، لحسم صراع من أجل تحقيق هدف نبيل في أحد المفاصل الهامة من تاريخ الشعوب لا يدخل ضمن خانة الفساد. فمن يعمد لذلك لا ينتفع منه شخصيا أو تنتفع منه البطانة المحيطة به أو الحزب الذي ينتمي إليه.

وهو ما ينطبق على ما قام به الرئيس الأميركي إبراهام لنكولن حين استخدم، في نطاق ضيق، الأموال وإغراءات المناصب لضمان الحصول على عدد كاف من الأصوات في الكونغرس الأميركي، لصالح إجراء تعديل في الدستور الأميركي يسمح بإلغاء العبودية عام 1863، والذي دفع حياته ثمنا له لاحقا.

هذا ما سلطت عليه بعض الضوء دوريس كيرنز جودوين، مؤلفة كتاب "فريق متنافسين: العبقرية السياسية لإبراهام لنكولن"، الذي تحول إلى فيلم سينمائي عرض مؤخرا في دور العرض المحلية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات