يبدو أن الحزب الجمهوري الأميركي عاجز حتى إشعار آخر، عن القيام بالمراجعة الداخلية اللازمة للخروج من الأزمة العميقة التي يعاني منها، وهو لذلك يبحث عن حلول ملتوية لاستعادة مجده، لا تنفذ إلى جوهر الأزمة ولا تعالج عللها. فأزمة الحزب الحقيقية هي أنه استعدى كل الأقليات تقريبا، فضلا عن المرأة والشباب في مجتمع تزداد تعدديته، فلم لم يعد يمثل سوى البيض، وهو ما أدى لهزيمة رومني رغم أنه حصل على 89% من أصوات البيض.
وبدلا من أن يقوم الحزب الجمهوري بمراجعة شاملة لسياساته ومواقف رموزه التي استعدت قطاعات واسعة من المجتمع الأميركي، استعدادا لخوض انتخابات الرئاسة التالية، إذا به يلجأ لحيلة جديدة عبر تغيير قواعد الانتخابات على نحو يضمن للحزب الفوز بالرئاسة. ففي عدد من الولايات المهمة، مثل فرجينيا ومتشغان وأوهايو وبنسلفانيا، وكلها من الولايات الحاسمة في أية انتخابات رئاسية، تقدم الجمهوريون في المجالس الشعبية للولايات، بمشروعات قوانين تعيد النظر في كيفية حساب أصوات المجمع الانتخابي. فوفق الدستور الأميركى، فإن انتخاب الرئيس يتم عبر ما يسمى المجمع الانتخابي.
والمجمع الانتخابي عبارة عن مجموعة من المنتخبين تختارهم كل ولاية، يساوون في كل منها عدد أعضائها في مجلسي النواب والشيوخ معا، ومن ثم صار لكل ولاية ثلاثة "أصوات انتخابية" على الأقل (مساويا لعضوين لكل ولاية في مجلس الشيوخ، وعضو واحد لها على الأقل في مجلس النواب، وفقا لحجم السكان). ومن ثم فإن مجموع عدد أعضاء المجمع الانتخابي 538 "منتخبا"، وهو عدد ثابت لأنه مساو لعدد أعضاء مجلس الشيوخ (100 عضو) ومجلس النواب (435)، فضلا عن ثلاثة أصوات لواشنطن العاصمة. معنى ذلك أن اختيار الرئيس الأميركي يتم عبر انتخاب غير مباشر، فالناخبون يدلون بأصواتهم "الشعبية"، التي تتم ترجمتها إلى أصوات "انتخابية"، أي أصوات المجمع الانتخابي.
أما كيفية ترجمة الأصوات الشعبية إلى أصوات انتخابية، فإن المعمول به اليوم في كل الولايات، باستثناء ولايتي مين ونبراسكا، هو قاعدة الفائز يحصل على كل شيء، بمعنى أن المرشح الذي يحصل على أعلى نسبة من الأصوات "الشعبية" في الولاية (أي أصوات الناخبين)، يفوز بكل أصوات تلك الولاية في المجمع الانتخابي، بينما لا يحصل منافسه على شيء على الإطلاق.
ولا يشترط أن تكون النسبة الأعلى هذه أغلبية بالضرورة، فمن الممكن أن يحصل المرشح على 38% مثلا من أصوات الناخبين فيصبح هو الفائز، طالما أن أيا من منافسيه لم يحصل على نسبة أعلى من ذلك. بعبارة أخرى؛ إذا كانت الولاية تملك 15 "صوتا انتخابيا" وحصل المرشح (أ) على 40% من أصوات الناخبين وحصل المرشح (ب) على 39% منها، يصبح المرشح (أ) هو الفائز بكل أصوات الولاية الخمسة عشر، بينما يتساوى المرشح (ب) مع المرشح (س) الذي لم يحصل إلا على 2% من أصوات الناخبين، إذ لا يحصل كلاهما على أي شيء على الإطلاق!
ولأن معايير اختيار أعضاء المجمع الانتخابي في كل ولاية وكيفية ترجمة الأصوات الشعبية فيها هي مهمة الولاية ذاتها، فقد تفتق ذهن الجمهوريين عن فكرة جديدة تضمن للحزب الفوز بالرئاسة. فهم قرروا في الولايات التي يسيطرون فيها على الأغلبية في المجلس التشريعي، أن يغيروا قواعد اللعبة عبر إلغاء قاعدة "الفائز يحصل على كل شيء".
ففي بعض الولايات يسعون اليوم إلى منح الأصوات الانتخابية وفق نتائج الدوائر لا الولايات ككل، أي أن يذهب صوت المجمع الانتخابي في الدائرة إلى المرشح الحاصل على أكثرية الأصوات فيها، فإذا كان عدد أصوات المجمع الانتخابى 35 لأن للولاية عضوين في مجلس الشيوخ و32 في مجلس النواب، يحصل كل مرشح على أصوات المجمع الانتخابي في الدوائر التي فاز فيها فقط، ويحصل الفائز على الصوتين المساويين لعضوي مجلس الشيوخ. وفي ولايات أخرى، يدور النقاش حول التمثيل النسبي، أي أن يحصل كل مرشح على نسبة من أصوات المجمع الانتخابي، تساوي النسبة التي حصل عليها في أصوات الناخبين.
وللأمانة فإن إلغاء قاعدة "الفائز يحصل على كل شيء"، من شأنه أن يخلق نظاما أكثر ديمقراطية وتمثيلا لأصوات الناخبين، لأن تلك القاعدة تهدر ملايين الأصوات التي لا تترجم إلى شيء على الإطلاق. فالمرشح الذي يحصل على 40% من أصوات الناخبين، لا يحصل على أي صوت انتخابي طالما أن منافسه حصل على 41%! وهذه القاعدة هي المسؤولة عن أن يفوز مرشح مثل كلينتون بالرئاسة بواقع 42% من أصوات الناخبين، أي دون الحصول على الأغلبية، وهي المسؤولة أيضا عن ظاهرة جسدتها في أميركا المعاصرة انتخابات آل غور - بوش الابن عام 2000، وهي أن يفوز أحد المرشحين بالرئاسة لأنه فاز بالأصوات الانتخابية، رغم أن منافسه هو الذي حصل على أغلبية أصوات الناخبين التي يتم إهدارها في كل ولاية لا يفوز فيها.
بعبارة أخرى، فإن إلغاء قاعدة الفائز يحصل على كل شيء، يجعل نظام المجمع الانتخابي أكثر ديمقراطية. إلا أن الجمهوريين لم يلجأوا لإلغاء تلك القاعدة بهدف فتح الباب لمزيد من الديمقراطية، وإنما لجأوا إليه لغرض حزبي، لأنه يعطي الدوائر الريفية محدودة السكان، والتي تعطي أصواتها للجمهوريين، دورا أعلى في حسم النتيجة.
وحتى مع إلغاء تلك القاعدة، فإن نظام انتخاب الرئيس الأميركي سيظل أقل ديمقراطية من غيره من النظم المتبعة في العالم، لأنه انتخاب غير مباشر، كان الهدف الأساسي من ابتداعه وقت كتابة الدستور، هو وضع قيد على الإرادة الشعبية، وجعل الولايات هي التي تنتخب الرئيس لا المواطنين!