شهدت الفترة الأخيرة لقاء العديد من الشخصيات الفرنسية والتركية، وذلك بمبادرة من مؤسسات مثل معهد البوسفور، ومركز التوثيق والدراسات الأوروبية في تركيا، ومركز العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس.

هذه اللقاءات جرت في لحظة تشهد تغيرات حقيقية في مناخ العلاقات بين فرنسا وتركيا، في سياق تغيّر الأغلبية السياسية في فرنسا. وكانت العلاقات بين البلدين قد تدهورت كثيرا، خلال خمس سنوات من التوترات والمبادرات السيئة، والمواقف التي أظهرت بعض الازدراء أحيانا من قبل الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي. بالطبع يعرف الجميع أنه ليس هناك ما لا تمكن العودة عنه في مجال السياسة، ومع ذلك لا شك أن عودة العلاقات الثنائية إلى مجراها الطبيعي السلس، سيتطلّب بعض الوقت، نظرا لأشكال سوء الفهم التي تكدّست وتكاثرت، وبسبب المرارة الكبيرة التي يحسّ بها الكثير من الأتراك.

في مثل هذا السياق، تكتسي اللقاءات بين المسؤولين الفرنسيين والأتراك أهمية كبيرة. وهكذا اتفق فرانسوا هولاند وعبد الله غل أثناء قمّة الحلف الأطلسي في شيكاغو، على ضرورة فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية. ثمّ عبّر بعد ذلك وزيرا الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو والفرنسي لوران فابيوس، عن أمل تجاوز صعوبات السنوات الأخيرة.. وتلك هي مؤشرات إيجابية على الدخول حقيقة في منطق سياسي جديد.

مع ذلك تكمن المسألة في القرارات، وفي الجدول الزمني لخطط العمل، ذلك أن الزمن يمر والقرارات الملموسة تتأخّر. لا شك أن التحديات التي تواجهها الأغلبية الفرنسية الحالية كبيرة، كما أنّ رئاسة قبرص اليونانية للاتحاد الأوروبي في النصف الثاني من عام 2012، لعبت دورا معطّلا. لكننا نعرف أن فقدان الصبر أمر سيئ غالبا، إلى جانب بروز تساؤلات حول إمكانية أن يكون ملف العلاقات الفرنسية ـ التركية قد تراجع على صعيد سلّم الأولويات.

في مثل هذا الوضع، يبدو من الهام جدا القيام بخطوات ملموسة في أقرب أجل ممكن، خاصّة وأن فرنسا أمامها فرص لا ينبغي أن تضيّعها بأشكال غير مفيدة من التردد. فحتىّ عام 2014 لا تلوح في الأفق أية انتخابات في فرنسا، فالتجربة علّمتنا أن الفترات الانتخابية يتمّ استخدامها سلبيا للمزايدات غير المجدية في العلاقات بين فرنسا وتركيا.

وهناك قراران سريعان ممكنان، للدلالة على تغيّر حقيقي في التوجّه. القرار الأول هو رفع الاعتراض "الفيتو"، الذي كان الرئيس السابق ساركوزي قد فرضه على الفصول الخمسة للمحادثات الخاصّة بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. ذلك أن تلك الفصول لم تبرر أبدا في عمقها مثل ذلك الاعتراض التمييزي فحسب، ولكنه يخالف في الشكل الآلية التي تحكم عمل المؤسسات الأوروبية. ولا يمكن تصوّر أن تقوم كل دولة بفرض إرادتها، متجاوزة وجهة نظر شركائها وما قد يمثل معيارا سلبيا إضافيا في البناء الأوروبي المعقّد.

القرار الثاني هو قيام الرئيس فرانسوا هولاند بزيارة دولة لتركيا، والتي جرى التحدّث عن تحقيقها خلال النصف الأوّل من العام الحالي 2013، وكلّما جرى القيام بها بسرعة أكبر تكون أفضل. وللتذكير فإن آخر مبادرة من هذا النوع، قام بها الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران عام 1992، أي منذ أكثر من 20 عاما، مما لا يليق بعلاقات قديمة قائمة بين البلدين.

والجميع يفهمون أهميّة مثل هذه المبادرات، الهادفة إلى تحقيق مسار مشترك في منظور ضرورة إعادة النظر في البناء الأوروبي المشترك. والأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي، وعجزه عن فرض نفسه كقوّة سياسية مسموعة، يفرضان هيكلية جديدة ومشاريع جديدة للخروج من وضع الضعف الحالي. مع ذلك لم يعد يتم طرح مسألة الانضمام الضروري والكامل لتركيا في الإطار الأوروبي، بنفس الطريقة التي كانت تُطرح بها عند الشروع في محادثات انضمامها.

لم يعد المطلوب هو اتحاد أوروبي متعدد السرعات، بل اتحاد لا ينبغي بالضرورة أن ينتظر موافقة الـ27 بلدا من أجل اتخاذ قرار هام. واتحاد يمكن أن تتعدد في داخله أشكال التعاون، دون المساس بالمشروع المشترك الذي يوحّد دوله، مع احترام إيقاع كل منها.

وضمن مثل هذا الإطار، ينبغي أن تأخذ تركيا دورها الكامل، وليس فقط أن تأخذ كل دورها، بل يمكن لكل مبادرة من مبادراتها أن تساهم في تقوية جميع الأطراف المعنية.