إن قيم الشعوب لا تتكون بين عشية وضحاها، ولكن نتاج تاريخ طويل من الممارسة، فضلاً عن تربية من المهد إلى اللحد، كما أنها ما تعارف عليه السلف ونقله الخلف، ومن ثم فهي تعبر عن إرث ثقافي تحافظ عليه الشعوب، من شذ عنها شذ عن المجتمع وأصبح فيه مهملاً.
ثم إن القيم لا تفرض بقرارات فوقية، ولكنها تخرج من نبت الأرض الطيبة، يتمسك بها الإنسان لا خوفاً من العقاب بقدر ما هي جزء من تكوينه الفكري والسلوكي، وقد يبذل روحه راضياً دونها.
إن الحضارة الإنسانية قامت على الاختلاف والتمايز بين الشعوب، وهذا التمايز يغني البشرية جميعاً، ولا يجب ومن غير الممكن أن تفرض قيم واحدة وثابتة على كل الشعوب، أو مسخ الكل في واحد، لأن ذلك يعد بمثابة جريمة في حق الإنسانية، ولكن الأصل إذا ما كانت هناك رغبة في تجويد حياة الإنسان، بصرف النظر عن لونه وجنسه، أن يتم التعظيم من القيم الإيجابية بين الحضارات كافة، وأن تنبذ القيم السلبية.
لذا استوقفتني نتائج استطلاع الرأي، الذي نظمه مركز رأيك التابع لبرنامج "وطني"، بالتعاون مع مركز"باريت" الدولي للقيم، الذي تحظى دراساته بمصداقية بحثية يعتد بها، والتي أظهرت أن مجتمع الإمارات يتمتع بأعلى نسبة في العالم لجهة القيم الاجتماعية والإنسانية والأخلاقية والسلام، التي تسوده بفضل التلاحم الوطني والانسجام بين القيادة والشعب، فضلاً عن الحفاظ على الأسرة والدين والثقافة والعادات والتقاليد والعيش الكريم لكل أبناء وبنات المجتمع دون تمييز، إضافة إلى تشجيع الابتكار والإبداع والولاء للوطن، وطبق هذا الاستطلاع على عينة تقدر بأربعة آلاف شخص.
ولا عجب، لأن الجانب الأكبر الذي قامت عليه قصة دولة الاتحاد هو جانب قيمي، فقد تجد من الطبيعي أن يرسل رئيس الدولة طائرة لنجدة مواطن في أية بقعة كانت، أو يتحرك خمسون رجلاً لنجدة طفل في القاهرة، أو فريق يبحث عن مواطن ضل طريقة في تايلند. ولا عجب أن يستجيب القائد لدعوة طفلة إلى المدرسة، أو الاستجابة لطلب طفل هنا أو هناك.
ولأن الفضيلة كل لا يتجزأ، فإن القيم التي تسود المجتمع الإماراتي ليست منتجاً ثقافياً يسود بين أبناء الوطن وفقط، لكنها تتسع لتشمل كل مقيم على أرض الإمارات، بصرف النظر عن الدين أو اللون أو الجنس، في وطن اتسع للعالم بأسره، دون تمييز أو انتقاص من حقوقهم أو التخلي عنهم.
لذا فإن ثقافة التسامح وقبول الآخر متأصلة في ثقافة أبناء الإمارات، لذلك لم يكن غريباً أن نرى دموع العرب وغير العرب وهم يبكون الشيخ زايد، رحمه الله، لأنه من وضع هذه البذرة الطيبة في نفوس أبناء شعبه؛ من احترام الإنسان كونه إنساناً، وسار على دربه قيادة الإمارات.
وهذه القيم هي التي يندمج في إطارها الوافد إلى أرض الإمارات فيسلك سلوك أهلها، حتى باتت الإمارات مدرسة لصقل القيم، لا مجرد مكان يعيش فيه الوافد ليجمع المال وينتظر لحظة الخلاص والعودة. والأمثلة على ذلك كثيرة، يقص عليّ أحد الأصدقاء أنه قابل في بلده رجلاً عاد لتوه من الإمارات، فلمح في نبرة صوته شيئاً من الحزن، فأخبره أنه عمل في الإمارات ما يقرب من خمسة وعشرين عاماً، وجمع من المال ما يجعله يحيا حياة كريمة، إلا أنه يقسم أنه قال له إنه يريد أن يأخذ ما ادخر من مال عبر جهد السنين وينفقه في الإمارات، حتى لو أقام دون عمل فيكفي أن يعيش على أرضها التي لم يشعر يوماً أنه انتقص من كرامته فيها.
إن هذا الإخاء الداخلي وهذه الحالة من صلابة الجبهة الداخلية لأبناء الوطن، عبر التلاحم الوطني والعروة المتينة، التي لن تنفك أو تضعف بإذن الله، هي القوة الحقيقية التي تحمي وطننا قبل أي سلاح، بل هي السلاح الماضي الذي يتحطم على صخرته كل من يكيد لهذا الوطن بليل أو يدبر له في الخفاء.
وأحد أهم جوانب التميز القيمي في الإمارات، أنها تخطت حدودها الوطنية لتنعكس على سلوك أبنائها وسياستها مع المجتمع الدولي؛ من نصرة الحق وإغاثة الملهوف، ولكونها تتعاطى مع كل شعوب الأرض، والشواهد أكثر من أن تذكر للدرجة التي تجعل من سائق التاكسي في دولة هنا أو هناك يتنازل عن أجره لمجرد أن يعرف أنك من الإمارات.
إن القيم هي الحافظ والحاضنة للتقدم، بل إن كثيراً من الحضارات التي قامت على بناء مادي، ما انهارت إلا لخواء في القيم التي يحيا الإنسان من أجلها، فضلاً عن كونها تعطي معنى حقيقياً للحياة.
وما الفائدة من أن تملك الأمم بنياناً مادياً وتفتقر إلى القيم! كما أنها تدخل السعادة على النفس وتسمو بالروح، وترقى بالإنسان للدرجة التي قد تجعله يضحي بنفسه من أجلها. أليس حب الوطن والولاء لترابه قيمة عليا؟ والحياة التي تخلو من القيم هي حياة تعسة يحكمها قانون الغابة؛ القوي يأكل الضعيف، والبقاء فيها للأقوى. ورحم الله شوقي حين قال: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت * فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
في تقديري إن نتائج هذا الاستطلاع لم تكن لمجرد أن نفتخر بها، وهي لا شك محل فخر، ولكن لا بد أن يتم تفعيلها في شكل برامج عمل أمام الأجيال الشابة، ليحافظوا على هذا الإرث الحضاري الذي يفوق بمراحل الموروث المادي الذي لا قيمة له من دون قيم تحكمه، كما ينبغي تأطير هذه النتائج لتدعيم صورة وطننا إقليمياً ودولياً، وتعزيز مكانته ليعرف العالم أن الإمارات، كما تضم أعلى قمة في العالم، كذلك لدى المجتمع قيم تصون تلك المكتسبات الحضارية، لأن حياة بلا قيم هي حياة بلا قيمة.