لكمة قضائية حاسمة

ثلاث ساعات من المداولات الشاقة سبقت التوقيع على قرار هيئة المحلفين الفيدرالية بتغريم شركة "سامسونغ" الكورية قرابة مليار دولار أميركي لانتهاكها حقوق الملكية الفكرية لشركة "آبل" الأميركية، وقبل التوقيع نظرت القاضية في المحكمة الفيدرالية لمقاطعة شمال ولاية كاليفورنيا " لوسي كوه" بحدة إلى مجموعة من أشهر المحامين في الولايات المتحدة الذين يمثل بعضهم آبل وبعضهم سامسونغ وقالت:"متى ستنتهي هذه الخصومة؟ ألم يحن الوقت ليعم السلام كافة أرجاء المعمورة؟" ثم أضافت قائلة: "أنا على يقين أن الحل الودي سيكون هو الخيار الأفضل للمستهلكين و لصناعة الهواتف الذكية وللأطراف كافة".

وعلى الرغم من أن الجملة التي قالتها القاضية "لوسي" أثارت زوبعة من الجدل في أنحاء العالم، إلا أن الشاهد هو أن غضب هذه القاضية التي تُعد من أصغر القضاة في المحكمة، ومتمرسة في قضايا الملكية الفكرية، مرده إلى أن هذه النزاعات لن تتوقف على المدى القصير، حيث بدأت في أكتوبر عام 2010 عندما قامت شركة "موتورلا موبايلتي" برفع شكوى ضد "آبل" تتهمها بانتهاك بعض اختراعاتها، وتلتها في الشهر ذاته دعوى متقابلة من "آبل" ضد "موتورولا موبايلتي".

ولكن "آبل" تنبهت بأن عليها تغيير استراتيجيتها ونقل المنافسة التجارية وروح الابتكار التجاري إلى أروقة المحاكم والبدء برفع دعاوى استباقية على المنافسين ومن دون هوادة، فقامت في أبريل عام 2011 برفع دعوى قضائية ضد شركة "سامسونغ" وبحلول يوليو عام 2012 أصبح عدد النزاعات أكثر من 50 نزاعاً قضائياً في شتى دول العالم، انتصرت شركة آبل في دعوى واحدة في الولايات المتحدة، بينما انتصرت سامسونغ في المقابل في بعض الدعاوى في كوريا الجنوبية واليابان وبريطانيا.

ومن الطرائف القضائية في هذا المجال، أن المحكمة العليا في إنجلترا أصدرت حكماً لصالح شركة "سامسونغ" يُجبر "آبل" على نشر اعتذار رسمي على موقعها الإلكتروني في بريطانيا يحتوي على إقرار بأن جهاز "جالاكسي تاب 10.1" التابع لشركة "سامسونغ" لم ينتهك حقوق الملكية الفكرية "لآبل"، وتنفيذاً لقرار المحكمة ارتأت "آبل" أن تتحايل على الحكم، وتنشر الاعتذار عن طريق وضع رابط "لينك" في أسفل الصفحة على موقعها ويقود الرابط إلى صفحة أخرى كُتب فيها الاعتذار بخط صغير يكاد لا يُرى.

إلا أن المحكمة تنبهت إلى حيلة "آبل"، فأصدرت مذكرة تلزمها بنشر الاعتذار بخط لا يقل حجمه عن 11 نقطة، كما أمر القاضي ببقاء هذا الإعلان على موقع "آبل" في بريطانيا لمدة شهر ونصف، ولكن شركة "آبل" تذرعت للمحكمة بأن هناك مشاكل تقنية تحول دون تنفيذ القرار وأنها بحاجة لأيام أو أسابيع لتنفيذه، لكن العذر لم يكن مقنعاً، وأمهلت المحكمة "آبل" 48 ساعة فقط لتنفيذه.

وبالعودة إلى حكم هيئة المحلفين الأميركية القاضي بتغريم "سامسونغ" مليار دولار، والذي أثارالعديد من التساؤلات عن مدى جاهزية المرافق القضائية للنظر في مثل هذه القضايا المعقدة والمتعلقة ببراءة الاختراعات وحقوق الملكية، وعن حجم استنزاف هذه القضايا للموارد القضائية البشرية والمالية المحدودة، ما قد يؤثر سلباً على قدرة المحكمة على التفرغ للبت في القضايا المصيرية للأفراد والمشروعات التجارية الصغيرة.

ومن جهة أخرى يتساءل البعض عن أنه ألم يكن من الأجدى، كما قالت القاضية "لوسي" إنفاق الملايين التي استهلكتها الدعاوى القضائية وأتعاب المحامين والمستشارين والخبراء القانونيين، على البحوث العلمية التي تدعم تطور هذه الصناعة والتقنية؟

التطور العلمي هو نتاج تراكم معرفي لذلك فإن شركة سامسونغ أشارت في صحيفة الدعوى "لقد باعت سامسونغ أول هاتف قبل ما يقارب 20 عاماً من قيام آبل بصناعة وتسويق أول هاتف ذكي لها، ولولا جهود سامسونغ واختراعاتها في مجال الهواتف الذكية لما ستطاعت آبل اختراع هاتفها الذكي "آي فون". لذلك فلا يمكن أن ننكر أهمية التراكم المعرفي والتقني في تطور التكنولوجيا وأن ما وصلت إليه آبل هو نتاج جهود العاملين في هذه الصناعة.

إن العالم يتغير والإبداع والابتكار هما المحرك الأساسي لهذا التغيير، وإن التفوق الاقتصادي أصبحت أهم مقاييسه الأفكار والاختراعات، لذا تحولت هذه الإبداعات والابتكارات إلى ثروات وطنية واقتصادية ثمينة، وهذا يقودنا إلى فهم أهمية وجود أطر تشريعية وقضائية جديدة تواكب هذا التطور وتحافظ على هذه الثروات وتشجع المبدعين على مواصلة الابتكار، ولكن في نفس الوقت من الضروري أن لا يُسلط سيف التشريعات على المبتكرين فتمنعهم من البدء من حيث انتهى الآخرون.

وهذا ما حدا برئيس الوزراء ديفيد كاميرون عام 2010 إلى القول بأن قوانين الملكية الفكرية والتي وضعت منذ أكثر من ثلاثة قرون لخلق الحوافز الاقتصادية للابتكار من خلال حماية حقوق المبدعين، هي ذاتها التي تعرقل الابتكار والنمو الاقتصادي للمملكة المتحدة.

وقد بدأت الحكومة البريطانية بمراجعة شاملة لقوانين الملكية الفكرية لإعادة قراءتها في ضوء التطور التقني المتسارع لمنع قتل الإبداع وتطور الاختراعات والابتكار، وهذه التعديلات أو الأطر الجديدة المقترحة من حكومة المحافظين ستسمح للمبدعين باستثمار التقنيات الحديثة ما سيساعد على ازدهار قطاعات الأعمال الإبداعية وجعل قانون الملكية الفكرية أكثر انفتاحاً على التكنولوجيا، فعلى سبيل المثال سيتم إعفاء أفلام "اليوتيوب" والشبكات الاجتماعية الكوميدية والساخرة من قوانين الملكية الفكرية، وهذه الخطوة من المرجح أن تتبعها خطوات أخرى في اتجاه دعم صناعة المحتوى الرقمي وقطاع الإنتاج، إلى جانب إعطاء المستهلك الحق في نسخ الكتب والموسيقى التي يقوم بشرائها على الكثير من الأجهزة الشخصية دون التقيد بالصيغة أو الشكل الذي صدرت به عن الشركات المنتجة.

كما تتضمن التحديثات السماح للمعلمين باستخدام المواد المحمية بحقوق النشر في الفصول الدراسية، وحصول الباحثين في المجالات الطبية على المزيد من حقوق الوصول إلى البيانات المطلوبة لتطوير مشاريعهم البحثية.

إن تعديل القوانين فرصة لتنمية المنشآت الصغيرة وخلق الفرص الوظيفية ومكافحة الاحتكار، وقد أثبتت الأعمال الإبداعية والمبتكرة أنها الأكثر قدرة على خلق فرص عمل للشباب، حيث تنمو هذه المنشآت أسرع مرتين في التوظيف والمبيعات قياساً بالمنشآت التي تفشل في الابتكار، كما أن الابتكار يفتح أسواقاً جديدة لخدمات ومنتجات لم يسبق تداولها من قبل، ونحن في دولة الإمارات نطالب كذلك بإعادة النظر في مثل هذه القوانين على ضوء المتغيرات التكنولوجية العالمية لدفع عجلة نمو المشاريع الصغيرة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات