من المؤسف أن سنة الحياة لم تتح للكاتب المسرحي والشاعر الإيرلندي أوسكار وايلد، الذي يعتبر أحد أكثر الكتاب نجاحا في لندن خلال العصر الفيكتوري، وأحد أهم مشاهير عصره، فرصة العيش ليشهد كيف أن تعريفه الساخر للديموقراطية ليس بالتعريف الخاطئ تماما، وأنه ليس من الصعب أن يجد نموذجاً على أرض الواقع، وبالتحديد في العراق، يتفق مع هذا التعريف. يرى وايلد، على طريقته الساخرة في النظر إلى الحياة، أن "الديمقراطية تعني ببساطة استخدام الهراوات لضرب الناس من قبل الناس لأجل الناس".
ومن أقواله الجميلة التي تنطبق كذلك إلى حد بعيد على الواقع الحالي للشعب العراقي، قوله إن "معظم الناس هم أناس آخرون! آراؤهم آراء شخص آخر، حياتهم تقليد وعشقهم اقتباس". والحقيقة أن بحثي عن حياة هذا الكاتب الشهير، قادني للتعرف على أن الأجواء التي تحيط بمثواه الأخير لا تخلو من صلة ما بالعراق، إذ يجثم فوق ضريح وايلد، الذي توفي في باريس فقيراً معدما عن 46 عاما، نصب يمثل ملاكا عاريا، فكرته مستوحاة من النصب الآشورية التي اعتدنا على مشاهدتها في المتاحف، وقد قام بتصميمه النحات البريطاني الحداثي السير جاكوب أبستاين عام 1912.
في العراق المتأزم إلى حد الانفجار والتمزق والانهيار، هناك صراع إرادات متباينة لا يخلو من التأثر بأجندات بعض دول الجوار، بعضها يهدف للتصعيد وأخرى للتهدئة، بعضها يؤرقه القلق على مستقبل البلد، لأن لديه رؤية ناضجة لطبيعة الأحداث الجارية فيه ومساراتها المخيفة، وبعضها قد تكون لديه الرؤية نفسها، إلا أنه لا يعبأ بذلك لأن مصلحة العراق وشعبه ليست على رأس أجندته، والحوار بين الطرفين قد أصبح حوار طرشان.
فمنذ الانتخابات النيابية في مارس 2010، لا يزال العراق يعيش الأزمة نفسها التي نشأت إثر تغيير نظام الحكم عام 2003، وهي أزمة البحث عن هوية الدولة العراقية الجديدة.
فبدل أن توظف الطاقات الكثيرة المتوافرة لديه للمساعدة في حل هذه الأزمة أو التخفيف من حدتها، أو عدم نقل الخلافات بين السياسيين حولها إلى الشارع، نرى أن الجهات المسؤولة لم تكتفِ بتجاهل ذلك، بل عمدت إلى العمل على تفاقمها من أجل ترسيخ معالم اتجاه سياسي لا يخدم وحدة العراق، بل يتجاوز ذلك إلى حد الوصول إلى تهديد أمنه ووحدته.
الأزمة التي يمر بها العراق، هي من صنع الكتل السياسية التي تتسيد مسرحه منذ عشر سنوات، إلا أن الكتلة التي تقود المؤسسة التنفيذية، دولة القانون والتحالف الوطني الذي يحتضنها، هي من يتحمل أكثر من غيرها مسؤولية ما وصلت إليه أوضاع العراق من تردٍّ، لأن في يدها كل شيء تقريبا، فرئيسها نوري المالكي يشغل منصب رئيس الوزراء الذي لديه صلاحيات واسعة جدا أتاحها له الدستور، إلا أن مواقفها تتأتى في أغلب الأحيان كردود أفعال لمواقف الكتل الأخرى أو لحركة الشارع، وليس انطلاقا من استراتيجية تنتهجها.
فحين عمد الألوف في عدد من المحافظات إلى تنظيم حركتهم الاحتجاجية التي تجاوزت الآن أسبوعها السابع، وقام بعضهم بقطع الطريق الدولي الذي يربط بغداد مع عمان ودمشق، مطالبين بإلغاء المادة الرابعة إرهاب وإلغاء قانون المساءلة والعدالة، قام بضع مئات من المتظاهرين من أنصارها بالتجمع في مدينة الناصرية، وقطعوا الطريق الذي يربط العراق بالكويت مطالبين بالإبقاء على القانونين المشار إليهما.
وحين يرفع المتظاهرون في المحافظات الغربية شعارات تطالب بعزل رئيس الوزراء المالكي يقوم أنصارها بالتظاهر في مدينة الحلة للمطالبة بتنحي النجيفي عن رئاسة مجلس النواب.
وحين يطالب النجيفي رئيس البرلمان، عبر إحدى القنوات الفضائية، باستقالة المالكي، يقوم نواب دولة القانون بجمع التواقيع في مجلس النواب لسحب الثقة عن النجيفي.
لم يعد السجال بين هؤلاء الفرقاء يتناول مصالح وطنية أو البحث عن حلول حقيقية للمشاكل المتراكمة، قدر ما هو اصطفاف يراد به إبقاء العراق ومصيره رهن إرادة تجار الطائفية السياسية، الذين لا وسيلة لهم للتلاعب بمقدرات البلد سوى اللجوء إلى الاصطفاف طائفيا، ونصرة الزعيم السياسي لهذه الطائفة أو تلك والوقوف خلفه، سواء كان ظالما أو مظلوما، اصطفاف خلف زعماء صنعتهم أحداث طارئة في ظروف ملتبسة، تغيب فيها الوعي لدى معظم الجماهير.
الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة مارتن كوبلر، يقوم من جانبه بزيارات مكوكية للتخفيف من حدة الأزمة، فهو يزور مواقع الاحتجاجات، ويلتقي برؤساء الكتل السياسية، ويقابل المراجع الدينية، ويكرر في تصريحاته خطورة الأزمة التي يمر بها العراق، ويؤكد أن دور الأمم المتحدة لا يتجاوز الإرشاد والنصح، فالأزمة عراقية لا يمكن حلها إلا بالتحاور بين الأطراف التي تتزعم المشهد السياسي، ويؤكد على ضرورة الإسراع في تنفيذ المطالب الجماهيرية المنصوص عليها بالدستور.
وفي خضم هذه الأحداث المتسارعة التي لم تخلُ من مفاجآت، أطاحت ببعض الرؤوس الكبيرة وتهدد بالإطاحة بالمزيد منها، تصعد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من ضغوطهما على أطراف النزاع لبدء حوار قبل فوات الأوان، وتعود عاصمة إقليم كردستان إلى الصدارة في وسائل الإعلام، حيث يتجه إليها قادة الكتل السياسية أو الوفود التي تمثلهم، لتكون من جديد المكان الذي ينزع فيه فتيل الأزمة. فقد أعلن رئيس إقليم كردستان عن نية الإقليم في عقد لقاء موسع في أربيل، يضم جميع القوى السياسية في الشهر المقبل على أبعد تقدير.
ولا يسعني في سياق هذه الأحداث، إلا إعادة ذكر ما سبق أن أشرت إليه من أن السلطة التنفيذية هي التي تتحمل المسؤولية عن تردي الأوضاع في العراق. فها نحن نرى كيف أنها قد أوصلت العاصمة العراقية بغداد إلى هذا الموقع الثانوي الأهمية، حين فشلت في جعلها خيمة لكل العراقيين.
ومع أن هناك من يأمل بنجاح اللقاء المرتقب في إنصاف الشعب العراقي وتصحيح مسارات العملية السياسية، وليس في ترضية الكتل السياسية وزعمائها كما حصل في اتفاقية أربيل السابقة التي لم ترَ النور، إلا أن فرص ذلك قد أصبحت ضعيفة، بعد أن فقد بعض القيادات مصداقياته وهيبته أمام الرأي العام، وأصبح من الصعب تقبل بقائه.