المواجهة التي تشهدها جامعة مدينة نيويورك، بين الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل ولوبي إسرائيل، تحمل أكثر من مغزى. ففي نهاية شهر يناير الماضي، قامت الدنيا ولم تقعد في نيويورك، حين تم الإعلان عن استضافة كلية لكل من جوديث باتلر وعمر البرغوثي، لإلقاء محاضرة عن الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل، وهي حركة سلمية تستخدم سلاح المقاطعة لإنهاء الاحتلال، مثلما استخدم السلاح نفسه لإنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.
وجوديث باتلر أستاذة الأدب المقارن في جامعة كاليفورنيا - بركلين، يهودية تقدمية تعرضت كثيرا لاتهامات من جانب لوبي إسرائيل، لانتقاداتها المستمرة للاحتلال وللانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الفلسطينيين. فهي على سبيل المثال، واجهت حملة شرسة منذ سنوات، حين تم ترشيحها لجائزة ألمانية مهمة. أما عمر البرغوثي فهو أحد أعمدة الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل، التي تنتمى لها باتلر أيضا.
وعندما أُعلن عن المحاضرة، شن الصهيوني اليميني المتطرف آلان درشويتز، حملة هجوم شرسة تلتها حرب منظمة شنتها مجموعة من المنظمات والرموز، على الكلية وعلى قسم العلوم السياسية فيها الذي حملت المحاضرة اسمه. وقد طالب درشويتز بإلغاء المحاضرة، أو بدعوته مع المحاضرَين لتقديم وجهة النظر الأخرى. والحقيقة أن حجة درشويتز تلك لا تطبقها أية جامعة أميركية حين تتم دعوة مناصري إسرائيل للحديث عنها، فلا تتم دعوة أحد لتمثيل وجهة النظر الفلسطينية.
واللافت للانتباه أن مناهضي المحاضرة التي نظمتها جماعة طلابية تدعى "طلاب من أجل العدالة في فلسطين"، شملت منظمات ورموزا لا تنتمي فقط لليمين الصهيوني المتطرف، وإنما للتيار الليبرالي اليهودي أيضا.
وقد تصاعدت الحملة طوال الأسبوع الأول من فبراير، مطالبة إدارة الجامعة بإلغاء المحاضرة أو سحب دعمها "الرسمي" لها، مع تهديدات بوقف تمويل الكلية الذي يأتي من مجلس المدينة.
واستخدم بعضهم لغة ابتزاز واضحة ضد رئيسة الكلية وقسم العلوم السياسية، فعلى سبيل المثال، أصدر أحد أعضاء مجلس مدينة نيويورك بيانا صحفيا قال فيه "من الخطأ أن تسمح رئيسة الكلية لقسم العلوم السياسية بأن يجبرها على تبني محاضرة عنصرية ومعادية للسامية ودعمها. لكن ربما لا يجبر أحد رئيسة الكلية، فلعلها تؤيد المحاضرة سرا"، منتهيا لمطالبتها بالاستقالة.
لكن إدارة الكلية صمدت ضد تلك الحملة، وأعلنت أنها "لن تملي على أعضاء هيئة التدريس ما يمكنهم وما لا يمكنهم دعمه. أما قسم العلوم السياسية فكان موقفه المعلن، أن "موضوع المحاضرة تتم مناقشته في الجامعات الأميركية وحول العالم، وبروكلين لا ينبغي أن تكون استثناء من كل ذلك".
لكن رموزا يهودية تقدمية رفعت أصواتها اعتراضا على تلك الحملة، التي تسعى لإسكات أي صوت ينتقد سياسات إسرائيل. وتلتها في ذلك افتتاحية النيويورك تايمز، التي قالت إن منتقدي إسرائيل يستخدمون لغة أقوى بكثير مما يمكن استخدامه في أميركا.
والواضح أن الحملة أدركت أنها تخسر معركة الرأي العام، فتم سحب التهديدات بوقف التمويل، وأعلن عمدة المدينة مايكل بلومبرغ، صاحب المواقف الصهيونية بامتياز، رفضه للحملة الداعية لإلغاء المحاضرة التزاما بمبدأ الحرية الأكاديمية، وانتقد صراحة الحملة المناهضة لإجراء المحاضرة، قائلا إن "المعترضين جلبوا اهتماما واسع النطاق للقضية التي يطالبون بعدم مناقشتها.
أولئك لا يفكرون قبل أن يفتحوا أفواههم". ثم انعقدت المحاضرة فعلا، وانتهت بسلام، باستثناء واقعة وحيدة قام خلالها أمن الكلية بإخراج أربعة طلاب يهود من القاعة، بعد أن رفضوا الامتثال لمطالب التزام الهدوء. وقد قدم المحاضران دفاعا قويا عن الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل، واستقبلا أسئلة وانتقادات من الحضور الذي بلغ ثلاثمائة فرد.
لكن انتهاء المحاضرة لم يكن يعني نهاية القصة بالنسبة للكثير من الأصوات المتطرفة، التي قررت ملاحقة كلية بروكلين.
وهم استغلوا واقعة إخراج الطلاب من القاعة لملاحقة الكلية قضائيا، وفق قانون الحقوق المدنية. فلم يقم أي من هؤلاء الطلاب، وفقا لحجتهم، بمقاطعة المتحدثين "وكل ما في الأمر أنهم كانوا يحملون رايات مناهضة للحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل"، الأمر الذي يمثل تمييزا ضد اليهود.
غير أن رواية "طلاب من أجل العدالة في فلسطين" كانت مغايرة، فالجماعة أصدرت بيانا قالت فيه إن هؤلاء الطلاب كانوا يتحدثون بصوت مرتفع، ويتبادلون المقاعد والأوراق، محدثين ضجيجا دفع الجالسين حولهم بمطالبتهم بالتزام الهدوء، وهو المطلب الذي كرره لهم الأمن ورفضوا الامتثال له، فتم إخراجهم من القاعة.
ورغم أن إدارة الكلية دعمت رواية الجماعة الطلابية، إلا أنها اضطرت فعلا لأن تفتح تحقيقا في الواقعة لم تعلن نتائجه بعد.
لكن القصة برمتها ذات دلالات عدة بالغة الأهمية. أولاها أن الحملات الرامية لإسكات معارضي سياسات إسرائيل في أميركا، لم تعد سهلة كما كانت من قبل. والكثير من الأصوات التي تناهض تلك السياسات، صار أكثر استعدادا من أي وقت مضى لرفع صوتها عاليا.
فحملات الابتزاز والاتهامات الجاهزة، من قبيل "معاداة السامية" و"اليهودي الكاره لنفسه" التي يتم توزيعها على كل من يفكر في معارضة سياسات إسرائيل، لم تعد تخيف الكثيرين.
ثانيا، فإن الدور الأكثر أهمية في كسر حاجز الصمت في أميركا، هو الدور الذي يلعبه اليهود الأمريكيون التقدميون، الذين صاروا يؤمنون بأن منظمات لوبي إسرائيل لم تعد تعبر عنهم، وأن السياسات الإسرائيلية تتناقض تماما مع منطلقاتهم التقدمية.
ثالثا، فإن كسر حاجز الصمت عملية كفاح مستمرة تتخللها نجاحات وإخفاقات أيضا، ولن تنتهي بين ليلة وضحاها. لكن أي اختراق لجدار الصمت العالمي، إنما يبني تراكما مهما نحو عالم أكثر عدلا وحرية.