وهم اقتصاد التقشف الأميركي

نجتاز الآن الانتعاش الأكثر تهافتا في التاريخ الحديث، وقد تحدث الرئيس الأميركي باراك أوباما مؤخرا عن الانطلاق بالاقتصاد وإعادة بناء الطبقية المتوسطة الأميركية، ولكن أميركا لا تفعل شيئا في الحد الأدنى حيال ذلك.

وفي حقيقة الأمر، فإنه بخلاف الاحتياط الفيدرالي الأميركي الذي يواصل خفض معدلات الفائدة على الأمل الدونكيشوتي، المتمثل في أن المصارف ستبدأ في الإقراض مجددا للناس العاديين، فإن الحكومة الأميركية تمضي في الاتجاه الخطأ على وجه الدقة، أي زيادة الضرائب المفروضة على الطبقة المتوسطة وتقليص الإنفاق العام، وهو ما يعرف باقتصاديات التقشف.

لا تزال واشنطن تتصرف كما لو أن العجز في الميزانية هو المشكلة الاقتصادية الأكثر أهمية، وهو ليس كذلك، وإنما المشكلة الأكثر أهمية تتمثل في البطالة والأجور المتناقصة.

لم يضف القائمون بالتشغيل الأميركيون إلا 157 ألف وظيفة في يناير الماضي، أي أقل مما أضافوه في ديسمبر، ويظل المعدل الإجمالي للبطالة ثابتا عند 7.9٪، أي حيث كانت على وجه الدقة منذ سبتمبر الماضي.

ونصيب الأشخاص الذين هم في سن العمل، والذين يعملون بالفعل أو يبحثون عن وظائف، يظل محدودا، ويقترب من أقل مستوى على امتداد 30 عاما، والعاطلون لمدى طويل والذين يشكلون حوالي 40٪ من إجمالي العاملين الذين لا وظائف لهم، يعانون من الفخ الذي وجدوا أنفسهم فيه، ومعظمهم ليست أمامه إلا احتمالات محدودة للحصول على وظائف، إذا كانت هناك وظائف على الإطلاق.

 وقد استنفدوا إعانات البطالة الخاصة بهم، أو هم في سبيلهم إلى استنفادها عما قريب. وكوننا لا ندري ما الذي نفعله حيال كل هذا، هو أمر غير وارد، لأننا نعرف على وجه الدقة ما الذي يتعين علينا القيام به، وهذه المعرفة ليست مما ينتمي إلى علم الصواريخ على سبيل المثال.

إن السبب الوحيد الذي يدفع القائمين بالتشغيل للقيام بتشغيل المزيد من العاملين، هو أن يكون لهم المزيد من العملاء، ولكنهم لم يتوافر لديهم ما يكفي من العملاء لتبرير مثل عمليات التشغيل الجديدة هذه. وهناك مصدران بصورة جوهرية للعملاء، هما العمال الفرديون والحكومة (فلننس الصادرات الآن، حيث إن أوروبا تتقلص، واليابان في حالة جمود، والصين تتباطأ، وباقي العالم يواجه مأزقا اقتصاديا).

والعملاء الأميركيون الذين تشكل مشترياتهم حوالي 70٪ من إجمالي النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة، لا يمكنهم شراء الكثير، وقدرتهم الشرائية تتقلص.

ويواصل متوسط الأجر التراجع، مع تعديله حسب نسبة التضخم، ومعظم هؤلاء العملاء لا يمكنهم الاقتراض، لأنه ليس لديهم سجل ائتماني كاف للسماح لهم باقتراض الكثير.

والآن، تجري زيادة ضرائب ضمانهم الاجتماعي، الأمر الذي يترك العامل العادي بدخل يقل بمقدار ألف دولار عن دخله في العام الماضي. وفي غضون ذلك، فإن الكثير من الولايات الأميركية تقوم الآن برفع الضرائب على المبيعات، وهو ما سيؤثر بشكل أقوى على المنتمين إلى الطبقة المتوسطة والفقيرة، أكثر من غيرهم. ويبحث الصقور في واشنطن، زيادات إضافية في الضرائب على الطبقة المتوسطة.

والأشخاص الوحيدون الذين يتمتعون بأوضاع جيدة، هم أولئك الذين يستقرون عند القمة، ولكنهم يدخرون جانبا كبيرا مما يكسبونه بدلا من إنفاقه، ومدخراتهم تمضي إلى مختلف أرجاء العالم بحثا عن أعلى عائد ممكن على الاستثمار.

صحيح أن الدخل الشخصي الإجمالي قد زاد بنسبة 8٪ في الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2012، مقارنة بزيادة لا تزيد إلا قليلا عن 2٪ في الربع الثالث من ذلك العام. ولكن هذا الدخل لم يمض إلى جيوب أبناء الطبقة المتوسطة، وإنما ذهب إلى جيوب أولئك الذين يتربعون على القمة. فقد زادت الأجور والرواتب زيادة محدودة، لا تتجاوز 0.6٪.

وقد جاء معظم الزيادة في الدخل الشخصي، من الشركات التي تسابقت لدفع المكافآت قبل أن يتم رفع الضرائب في 2013، وكذلك من ارتفاع في الدخل الشخصي متمثل في الفوائد، وقد مضى هذان المصدران للدخل في معظمهما إلى جيوب الأثرياء.

وهكذا فإننا إذا لم يكن بمقدورنا الاعتماد على العملاء في تنشيط الاقتصاد، فماذا عن الحكومة؟ لا مجال لذلك، فالإنفاق الحكومي ينخفض بدوره.

والسبب البارز في تراجع الاقتصاد في الربع الأخير من العام الماضي، كان حدوث انخفاض كبير في النفقات الحكومية، وبصفة خاصة في الإنفاق العسكري الذي انخفض بمعدل 22.2٪، وكان ذلك راجعا بصفة أساسية إلى انخفاض الإنفاق على الحرب في أفغانستان، إلى جانب مشاعر القلق لدى المتقاعدين العسكريين حول المزيد من التخفيضات المتوقعة.. وكذلك واصل إنفاق الولايات والإنفاق المحلي انخفاضه.

وعلى الصعيد الشخصي، فإنني يسعدني أننا ننفق قدرا أقل على المؤسسة العسكرية الأميركية، فهي الجزء الأكثر تضخما في الحكومة.

ولكن في الوقت الحالي، فإن هذه المؤسسة هي برنامج أميركا الكبير الوحيد للوظائف، ومن شأن تخفيض الإنفاق عليها دون زيادة الإنفاق على الطرق والجسور والمدارس وكل شيء نحتاجه، يعني وظائف أقل.

وقد وافق البيت الأبيض بالفعل على تخفيضات كبرى في الإنفاق يسري بعضها هذا العام، ومن المحتمل أن تسفر المواجهات المقبلة حول الهوة المثالية التالية والمخصصات لتمويل العمليات الحكومية وسقف الدين، عن مزيد من التخفيضات.

ينبغي أن يكون المزيد من الوظائف والأجور الأفضل والنمو الأسرع، هي الأهداف الأكثر أهمية الآن. فبتحقيق هذه الأهداف سيكون تحقيق كل شيء أسهل، بما في ذلك تغير المناخ وإصلاح الهجرة والإصلاح طويل الأمد في الميزانية، وبدون تحقيق ذلك سيكون كل شيء أكثر صعوبة.

غير أننا نتحرك في الاتجاه المعاكس، متتبعين الأنموذج الأوروبي المؤسف المتعلق باقتصاديات التقشف، ولكن هذه الاقتصاديات هي خدعة قاسية وأميركا لا ينبغي أن تخدع.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات