يعتقد شلومو بوحبوش أن على إسرائيل طلب الصفح من مواطنيها، عن عشرة أخطاء ارتكبتها في حقهم؛ أهمها على التوالي: خطأ عدم الاستجابة للاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية متعددة المصادر، كاختفاء السكن الملائم للأزواج الشبان، وفشل منظومة التعليم "لأن الفجوات التعليمية قائمة، والتعليم الفني مهمش وأوضاع المعلمين المادية والمعنوية يرثى لها..".

والخطأ في حق سكان الضواحي؛ الذين ينشد المرشحون ودهم في المواسم الانتخابية، ثم يبتلعون وعودهم ويشيحون عنهم بعد ذلك. وخطأ التعامل مع الدروز، الذين يخدمون في الجيش ثم يعودون إلى قراهم ليجدوها دون بنية تحتية تهيئ لهم المأوى، "فهؤلاء مطالبون بالولاء للدولة ولكن بلا حقوق فيها..".

 والخطأ في حق الجموع الغفيرة من المواطنين، الذين يتحملون أعباء كل شيء لأجل رفاه أقليات سياسية. والخطأ في حقوق أبناء القطاع العربي، الذين لا يقدر 45٪ من هم على تحمل النفقات الشهرية. والخطأ في جنب كل المتضررين من العجز عن إعادة الأمن الشخصي والنظام للشارع والطريق.

بوحبوط هذا هو عمدة مدينة "معالوت ترشيحا" ورئيس مركز الحكم المحلى في إسرائيل، ومن الواضح أن شهادته، التي نشرها على أحد المواقع الاليكترونية، جاءت متأثرة بطبيعته المهنية، حيث الصلة الوثيقة بقضايا المحليات وبالهموم والشواغل اليومية للمواطن العادي. وقد اختتم الرجل مدونته بعبارة عاطفية، تعكس جدية استشعاره للذنب "إنني أطلب الصفح شخصيا من كل الذين تسببت لهم في ظلم أو أذية..".

من الجائز أن نكون بصدد مسؤول إسرائيلي ناوشته صحوة ضمير في لحظة صدق مع النفس.. ونعلم من ثقافتنا الروحية، أن للإنسان نفسا لوامة بمثل ما أن له نفسا أمارة بالسوء. وعليه نتساءل، ماذا لو أن هذه الصحوة الموضعية شديدة المحلية والارتباط بمستوطن صهيوني واحد، تمددت وتضخمت حتى بلغت حد الالتفاف على رقاب النخب الصهيونية الحاكمة، صاحبة الأمر والنهي وصناعة القرار في إسرائيل؟

المتصور أن حالة افتراضية كهذه كانت لترغم هذه النخب على الاعتذار واستدرار الصفح والغفران، ليس فقط عن عشرة أخطاء منمنمة، كالتي أوجزها بوحبوط، وإنما عن مئات الخطايا والدنايا التي اقترفتها دولتهم في حقوق عوالم تعز عن الحصر.

فهناك أولا، الاعتذار المطلوب من التاريخ الإنساني عموما و"الشرق أوسطى" خاصة، الذي تم لي عنقه والتدليس عليه وتعريضه للغش، ليتلاءم مع مخطط استعماري استيطاني جهنمي الأصل والفصل والأهداف، أدى إلى إهلاك الكثير من الحرث والنسل. وفي هذا السياق، فإن الاعتذار والامتثال معلقان بذمة المؤرخين ورجال الكهنوت واللاهوت والساسة الصهاينة، كونهم خلطوا الحق بالباطل، وساقوا جماعات من الخلق للاعتداء والافتراء على قيم وحرمات سماوية، لخدمة أغراض دنيوية زائلة.

وهناك ثانيا، الاعتذار المطلوب من الشعب الفلسطيني، الذي سامه سدنة المشروع الصهيوني سوء العذاب، قتلا وجرحا وإعاقة وتشريدا وتهجيرا واعتقالا وترويعا، واستلابا للوطن والأرزاق والموارد، وانتحالا للتراث وتقويضا للعمران وانتهاكا للمقدسات.. ويصدق مثل هذا على الاعتذار وطلب الصفح من الشعوب العربية، ولا سيما في جوار فلسطين، التي نالها من هذا المشروع بعض ما نال أهل فلسطين.

وهناك ثالثا، ضرورة الاعتذار وطلب العفو من يهود العالم أنفسهم، باعتبارهم ضمن ضحايا المشروع الصهيوني، الذي ساهم في عزلهم عن مجريات حيواتهم في مجتمعاتهم الأم، وحشرهم في زقاق كيان عنصري عدواني، حارما إياهم نعمة الأمنين الشخصي والجماعي، وذلك على غير ما مناهم ووعدهم به. وليس ما يشير إليه بوحبوط من ممارسات يعتذر عنها، سوى النزر اليسير جدا من تجليات تفاوت الحظوظ، لصالح جماعات ضيقة داخل هذا الكيان.

وهناك رابعا، اعتذار "الدولة" الصهيونية لقاء انتهاكاتها الجسيمة لمنظومة القوانين والعهود والمواثيق والأعراف والسنن، التي صاغتها الأمم المتحضرة بشق الأنفس عبر مسار تاريخي طويل.. وكذا عن عصيانها ومخالفاتها لقرارات وتوجهات المنظمات الإقليمية والدولية، المنوط بها السهر على هذه المنظومة. ويتصل بذلك طلب الصفح من شعوب الدنيا بأسرها، التي تشهد بأن إسرائيل تندرج في أوائل الدول المهددة للسلم والأمن الدوليين.

هذا غيض من فيض عناوين الموضوعات والسلوكيات، الموجبة لطلبات الاعتذار والصفح، الواقعة على كواهل الصهاينة ودولتهم. ولو شئنا الاستطراد إلى التفصيلات، لتحولت هذه العناوين إلى أسفار تنوء بحملها العصبة أولي القوة.. ولظهر أن إسرائيل منذ كانت فكرة هائمة إلى ساعتنا هذه، ما انفكت تمارس الفساد في البر والبحر، وتجرم في حق كثير من الحقائق والموجودات المادية الملموسة والمعنوية الروحية غير المنظورة. ولو قدر لها الاعتذار المشفوع بالتكفير عن ذنوبها، فلربما تعين عليها الزوال من الخريطة العالمية.