هل القيادة علم له أصوله التي تدرس عبر قاعات العلم والمراكز المتخصصة، أم أنها هبة من الله سبحانه لرجال قدرهم أن يتحملوا مسؤولية بناء أوطان والسير بالركب في طرق ليست في الغالب ممهدة، وتحتاج إلى البذل الذي يخلد ذكراهم في القلوب قبل صفحات التاريخ؟

وما التاريخ إلا تسطير لواقع عاشه الناس وما أحكامه إلا ضمير الشعوب.. أم إن القيادة تربية وإعداد، ولها قانونها الذي يجب أن يلتزم به القائد أو من يؤهل ليكون قائداً من المهد إلى اللحد؟ وهل هي تربية تلقن عبر تعاليم، أم أنها بالنموذج والقدوة التي تغني عن كثير كلام، عملاً بالحكمة التي تقول «سلوك رجل في ألف رجل خير من كلام ألف رجل في رجل»؟ أم أن القيادة فن يحتاج دائماً إلى أفكار خارج الإطار المعتاد، فحيث يتوقف السياسي والمدرب والمتمرس تأتي الفكرة التي تحل الكثير من المعضلات.

كما النار التي تطفئ النيران أو كما الطاقة التي تدب في الجسد ليستعيد طاقته ويستجمع قواه؟ أم أن القيادة هي القدرة على تحديد الهدف الكبير الذي يجمع طاقات أبناء الوطن الواحد، دون إقصاء أو تهميش، نحو المشروع الوطني الكبير؟ أم أنها خليط من ذلك كله؟!

الحق أن هذه التساؤلات جميعها دارت في خاطري وأنا أتابع القمة الحكومية التي قادها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وأيقنت أن القيادة هي كل تلك الصفات مجتمعة؛ فهي الفن الذي له قواعد علمية، وهي التربية التي تصقلها القدرة على الرؤية، وهي النموذج الذي يحتذي بالسلوك قبل الكلام، وهي القدرة على التجميع لا التفريق، والتوحيد لا التشتيت، وهي البصيرة التي يختص بها الله من حملهم مصائر شعوب، ومن ائتمنتهم شعوبهم على قيادة السفينة.

إن القمة الحكومية التي عقدت على أرض الإمارات، لهي صفحة جديدة من صفحات التواصل بين القيادة وأبناء الوطن، فضلاً عن الذين يعيشون على هذه الأرض الطيبة، دون النظر إلى جنسياتهم. وهذا التواصل ليس جديداً، ولكنه نهج أصيل في الحكم توارثه الخلف عن السلف، ولكن الجديد هو تلك الحالة من التلقائية والبساطة والعمق ووضوح الرؤية وامتلاك أدوات تحقيقها، فضلاً عن الانفتاح على كافة الأفكار مع التمسك بثوابت غير قابلة للتغيير أو التبديل.

والمدقق في ما تفضل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، بالتأكيد عليه، يستطيع أن يستخلص العديد من الدروس والعبر للحاضر والمستقبل، للقيادات الشابة التي حضرت اللقاء، ولأبناء الإمارات الذين تحلقوا حول الشاشات، فضلاً عن قطاع عريض من أبناء العروبة الذين ينظرون إلى الإمارات باعتبارها حالة فريدة في تجربتها التنموية تستحق التأمل، وهو ما جعلها محط أنظارهم ونموذجاً حضارياً يحتذى به.

أقول: إن هناك حزمة من الدروس المستخلصة من حديث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، لكل قيادة ولكل مسؤول في وطننا، فضلاً عن الشباب الطامح للنجاح، وهم من سيحملون الراية مستقبلاً. ومن هذه الدروس:

1 - إن وظيفة الحكومة تسهيل حياة الناس وتحقيق السعادة للمجتمع، وهو ما خلصت إليه جميع النظريات التنموية، بأن التنمية الحقيقية، في أقوى وأكثر تعاريفها تحديداً، هي تجويد حياة الناس بما يحقق السعادة للمجتمع، بعيداً عن الأرقام والمعادلات والمؤشرات والمقاييس التي لا تعني المواطن العادي، ولا يعرف منها إلا الذي ينعكس على مجريات حياته اليومية، كما أن هذه الوظيفة تأتي لتضع الهدف الاستراتيجي للعمل الحكومي، بشكل جامع مانع في أوضح صورة وكلمات قليلة، لكنها تفصل في خطط ومبادرات تصل بها إلى «تحقيق السعادة للمجتمع». ولأن الأمر كذلك، لم يكن غريباً أن يعتبر تقرير دولي، صدر عن الأمم المتحدة بعنوان «تقرير السعادة العالمي»، شعب الإمارات الأكثر سعادة في العالم العربي، ويحتل المركز الـ17 في قائمة الشعوب الـ20 الأكثر سعادة في العالم، وذلك طبقاً لنتائج أول مسح دولي شامل عن السعادة تجريه الأمم المتحدة، متقدمة في الترتيب على بريطانيا (18) وأيسلندا (20).

2 - ليست هناك قيود لما يمكن لأي فرد أن ينجزه إلا القيود الذي يفرضها على تفكيره عبر التردد والخوف، وأنه لا بد من التعلم من الإخفاقات لكي نصنع الإنجازات، وأن فرص النجاح قائمة، ولكن قليل هم الذين يرونها، وأقل منهم الذين يستطيعون اتخاذ القرار، وهذا هو الذي يصنع الفرق.

3 - إن القادة دائماً يحددون مستويات عالية للأداء، والقائد الحق لا يقبل مطلقاً غير المراكز الأولى، ولا بد أن تحلم بالمستحيل، لا لكي تصل إلى الممكن ولكن لتجعل من المستحيل واقعاً تروى قصته لمن سيأتي بعدنا، حتى لا يرتضوا الدنية في دنياهم. وقصة بناء دولة الاتحاد وما تلاها، هي قصة المستحيل الذي تمكن منه قادة واجهوا التحديات حتى باتت مواجهة التحديات من هواياتهم، بل صار البحث عن التحدي والتغلب عليه ديدنهم، وكلما زادت التحديات زادت صلابتهم، وكما أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، أنه «من قلب المحن تخرج المنح».

4 - إن الفكر هو الأساس للانطلاق، وكلما فكرنا بطريقة أفضل، حققنا نتائج أفضل، والقائد الحقيقي هو من يجيد هذا التريض العقلي، وهو من يدفع من حوله للتفكير معه، وقدرته تتمثل في اقتناص الأفكار والدفع بها بقوة المنطق قبل السلطة، لتصبح واقعاً ينفع الناس بدلاً من أن تظل حبيسة في عقل صاحبها.

ولا شك أن ما أجاب به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، من سأله من أين تأتي بأفكارك، لهو نهج كيف تكون القيادة الحقة في تواضعها واحترامها للفكرة النيرة، سواء من مسؤول أو مواطن عادي أو وافد يعيش على هذه الأرض الطيبة، ما دامت غايتها صالح الوطن والمواطن، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسوة حسنة، حين نزل على رأي جندي مغمور من جيش المسلمين في غزوة بدر، وانتقل جيش بأكمله بعد البئر، بناء على فكرة طرحها جندي لم نعرف اسمه في السيرة، فكان النصر للمسلمين، وهكذا تكون القيادة.

5 - أهمية العمل كفريق واحد تحت رؤية موحدة، وهي الضمانة الكبرى للنجاح، وأن العمل بطريقة الجزر المنعزلة هو مضيعة للوقت وإهدار للجهد، وأن القيادة الحقيقية ليس من مهمتها تصيد الأخطاء، ولكن أن توجه وترشد وتتعلم من أخطائها، أما إذا كان الخطأ عن قصد أو إهمال وجبت المحاسبة.

وفي تقديري أن ما استعرضته القيادة في القمة الحكومية، كان محاطاً بروح الأبوة وتوجيه المعلم إلى أبنائه وإخوانه الحريص عليهم، فضلاً عن تبيان مسيرة نجاح وسيرة رجال عاش فيهم وطنهم قبل أن يعيشوا على أرضه.