لم يعد التحالف الوطني الحاكم في العراق والذي ينتمي إليه رئيس الوزراء يواجه أزمة واحدة بل سلسلة أزمات ويبدو أنه أصبح غير قادر على مواجهتها إلا بالمزيد من الإجراءات المتشنجة التي تعمل على تصعيدها لأن بنيته وممارساته غير مؤهلة لذلك. فهو، لمن لا يعرف شيئاً عنه، تكتل يضم أحزاباً وحركات وتيارات شيعية فقط، بمعنى أنه نشأ وتشكل على أسس دينية مذهبية .

وتبنى برامج سياسية تضع أولوية الولاء فيها عند التنفيذ لفضائه المذهبي وللمخيمين تحته وليس لجميع من تضمه الخيمة الواسعة للعراق. فالبرنامج الضيق للكتل السياسية التي تنضوي تحت لوائه قد أسهم في عزلها عن بقية العراقيين وأوقعها في مطبات الرؤى القاصرة غير القادرة على التطلع للوطن بكل ما يضمه. وهي من هذا المنطلق غير قادرة على التعامل مع الأزمات لأن رؤيتها تحتاج إلى تقويم.

اندمجت مكونات هذا التحالف في تكتل كبير منذ الانتخابات النيابية عام 2005 للحصول على الحكم والتمسك به على الرغم من التناقضات الحادة بين فصائله والصراعات التي تخوضها مع بعضها في السر وفي العلن. وقد نجح هذا التحالف في استلام الحكم منذ ثماني سنوات بمشاركة شكلية مع أطراف وتكتلات أخرى تحت مسمى حكومة الشراكة الوطنية بعد أن تم استرضائها باتفاقات تنصل رئيس الوزراء من مسؤولية تنفيذها لاحقاً، وكان ذلك أحد أبرز العوامل التي صنعت الأزمة الراهنة.

هذا التحالف يواجه الآن موقفاً حرجاً تأريخياً ومصيرياً لا يحدد مستقبله ككتلة سياسية فحسب بل يحدد مستقبل الأجندة السياسية التي حملها وعمل على تنفيذها، فحصد فشلاً لا يستطيع التملص من المسؤولية إزاءه أمام طائفته قبل غيرها حين وضعها مراراً في مواقف تضر بمصالحها في العالمين العربي والإسلامي، خاصة وأن هذه الأجندة قد أوصلت العراق إلى حافة الهاوية، كما لم يحصل في أية حقبة من تأريخه.

جوهر المشكلة يكمن في أن الدولة تدار بطريقة تفتقر إلى الكفاءة وتفتقر كذلك إلى حسن النوايا، فالحكومة تعمل على وضع لبنات لا تصلح لبناء الدولة المدنية التي تتلاءم مع تركيبة المجتمع العراقي إثنياً ودينياً ومذهبياً.

فهناك استحضار دائم، ترعاه الحكومة أو تغض الطرف عنه، لمفاصل بغيضة من التأريخ توظف لإدامة الشرخ في المجتمع العراقي، وهناك انتقائية وانحياز في تطبيق الدستور والقوانين وهناك التفاف على الاتفاقات التي أبرمت مع الشركاء لصالح تكريس حكم فردي يستحوذ فيه هذا التحالف على مقاليد الحكم ويستبعد الآخرين دون إتاحة فرصة لهم لنيل حقوقهم.

الأزمة التي تحيق بالعراق والتي تضفي ظلالها الكئيبة على عموم المشهد السياسي في تفاقم مستمر فقد التهب الشارع في المنطقة الغربية والشمالية وتحولت التظاهرات الاحتجاجية إلى اعتصامات تجاوزت أسبوعها السادس في محافظات الأنبار وصلاح الدين وديالى ونينوى وكركوك.

وأعلن الحزبان الكرديان الرئيسيان تأييدهما لمطالب المتظاهرين، ولقيت تعاطفاً على استحياء من قبل التيار الصدري وأصبحت الحلول لمواجهتها أكثر صعوبة بعد أن ارتفع سقف هذه المطالب إثر تلكؤ الحكومة في أخذها على محمل الجد.

العملية السياسية لم تعد تحظى بقبول شعبي بعد أن فشلت على مدى السنوات العشر المنصرمة في تقديم شيء ملموس يصلح من حالة الأوضاع المتردية في جميع المجالات ذات العلاقة بحياة المجتمع ليس في المحافظات الغربية والشمالية بل في عموم العراق. كما أن القيادات التي تسيدت المشهد السياسي قد فقدت أبرز ما يمنحها الشرعية، وهو شرعية الإنجاز.

التظاهرات ثم الاعتصامات هي مقدمات لتغيير العملية السياسية أو إسقاطها بعد أن أصبحت بعيدة عن نص الدستور وعن روحه ولكن ما يعيق ذلك هو أن التحالف الوطني والجهات الخارجية التي ترسم المعالم الرئيسية لمواقف فصائله، لا يزال قادراً على الإمساك بخيوط اللعبة السياسية موظفاً بذلك مبدأ "نصرة المذهب" محولاً طبيعة الأزمة من صراع حول مطالب مشروعة تخص جميع العراقيين إلى صراع يدور حول حصة كل مذهب في صناعة القرار.

ولعل ما يثير الحيرة هو أنه كلما حدثت تظاهرات واحتجاجات حدث وتزامن معها تفجيرات إجرامية تنال من الأبرياء في المناطق الشيعية خاصة مما يؤكد أنها غير عفوية وإنما تأتي في سياقات من التخطيط يراد به الإبقاء على الحس التوجسي المذهبي، فذلك ضمان لفرسان الطائفية السياسية للإبقاء على نفوذهم.

في مقابل ذلك فشلت الآليات المتصلبة التي تعتمدها الحكومة في التعامل مع الأزمات في الارتقاء إلى مستوى تفهم أبعاد الأزمة الراهنة، وتعقد المشهد السياسي حين توقف الحوار بين أطراف العملية السياسية وانحاز بعض قيادييها نحو المعتصمين وإنجاز آخرون إلى جانب الحكومة في استحضار قوي للمشهد الطائفي المقيت دون النظر دستورياً بمدى أحقية المحتجين في معظم المطالب التي يرفعونها. فقد كانت استجابة الحكومة لها عبر موقفها المتصلب يتسم بالتسويف وكسب الوقت والرهان على إنهاك عزيمة المعتصمين.

رئيس الوزراء لا يتنازل عن مواقفه المتصلبة فهو لم يبدِ مرونة تذكر إزاء مطالب الجماهير ولعل السبب في ذلك يرجع إلى اطمئنانه بأن الضغوط الداخلية التي يتعرض لها من قبل هؤلاء لا ترقى إلى المستوى الذي يهدد مستقبله السياسي لأن الدعم الذي يلقاه من الداخل والخارج هو ما يعول عليه.

فهو يستند إضافة إلى ظهيره في الداخل، التحالف الوطني، إلى الدعم المنبثق من السياسة التوفيقية غير المعلنة للولايات المتحدة ورغبتها في عدم الانجرار إلى صراع جديد في الشرق الأوسط. فقد أكد التحالف الكردستاني في تصريح ورد على لسان السياسي المخضرم محمود عثمان بأن طلب واشنطن من أنقرة تسوية الأمور مع بغداد فيما يتعلق بالسياسة النفطية لإقليم كردستان والقول بـ"إنهم قريبون جداً من المالكي" يعتبر بمثابة إعلان صريح من واشنطن بأنها مع بقاء المالكي في السلطة وأن سياساته تحظى بتأييدها".

التظاهرات والاعتصامات لا تزال تتسم بطابع سلمي يتيحه الدستور وهو وضع نأمل أن يدوم إلا أنه لا ضمان لاستمرار ذلك في ضوء تصلب الحكومة واحتمال لجوئها للقوة مرة أخرى لإجهاض هذه الحركة الاحتجاجية من جهة، وهشاشة الوضع السياسي الذي يسمح بالتصعيد عبر التدخلات الخارجية من جهة أخرى.