استغراق النخب الحزبية والإعلامية الدعائية الإسرائيلية في معمعة انتخابات الكنيست التاسعة عشرة، التي جرت في 22/1/2013، لم يلههم عن متابعة اختيارات الرئيس الأميركي باراك أوباما للفريق الوزاري الذي سيخوض به غمار ولايته الثانية. وفي هذا الإطار بدت هذه النخب وكأنها وزعت اهتماماتها بالتساوي، على ما يجري في الرحاب الداخلية وما يدور في واشنطن.
ظهرت تجليات هذا الاهتمام المزدوج بما لا يقبل الالتباس، حين وجد الإسرائيليون، المنخرطون تماما في جدل داخلي محموم، وقتا للتعبير عن فزعهم من ترشيح أوباما للسيناتور السابق تشاك هاغل لتولي منصب وزير الدفاع في سكرتاريته الجديدة. فقد تم الإفصاح عن هذا الترشيح قبل نحو أسبوعين من يوم الحسم الانتخابي في إسرائيل، وهو توقيت كان من الحرج والحساسية بما يكفي جدلا لمرور الإجراء الرئاسي الأميركي هناك، بنعومة وبأقل قدر من الضجيج.
لكن ما حدث كان العكس على طول الخط، إذ انبرى كثير من الساسة والمحللين الاسرائيليين إلى فتح ملفات هاغل، القديم منها والجديد. وانتهوا إلى أن دخوله الحلقة الضيقة لصناعة السياسة والقرار في واشنطن، لن يكون في صالح دولتهم. فهو، بقولهم، معارض لفرض عقوبات أميركية منفردة ضد إيران، ويرفض توجيه ضربة عسكرية لمنشآتها النووية، وسبق له التصويت ضد إدراج الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وحركة حماس ضمن المنظمات الإرهابية. هذا علاوة على ازدرائه للوبي اليهودي في الولايات المتحدة، وربما جاز دمغه بمعاداة السامية!
إلى ذلك، أكد الإسرائيليون تعلقهم بتفاصيل العملية السياسية الأميركية، ووصلها بأحوال إسرائيل وسياساتها، عندما ألقى بعضهم باللائمة على رئيس وزرائهم بنيامين نتنياهو وسياساته الخرقاء المناوئة لأوباما، "التي بفضلها تم تعبيد الطريق لتعيين هاغل ومن على شاكلته..". يريد هؤلاء القول إن أوباما إنما اختار هاغل ردا على سفاهات نتنياهو، وإثبات أن الأخير لا يمكنه أن يلوي ذراع رئيس الولايات المتحدة.
تأسيسا على هذه المعالجة، قدر البعض أن تفضيلات إسرائيل تحظى بمكانة استثنائية بين يدي ساكن البيت الأبيض؛ الذي عليه أن يراعي ما يرضيها وما لا يرضيها، وما يغيظ رئيس وزرائها وما لا يغيظه، وهو مقبل على خطوة تقع في صميم الشؤون الأميركية الداخلية. وقيل في ذلك إن شريكا من شركاء الولايات المتحدة وحلفائها، لا يجنح به الخيال إلى تصور أن تكون رؤاه وانحيازاته هي المحدد الأساسي في تشكيل نخبة صناعة القرار الأميركي، لكن إسرائيل يمكنها ذلك.
والحق أن الوقائع اللاحقة للانزعاج الإسرائيلي، توحي للوهلة الأولى بصحة هذا التقدير.. فلم يمر سوى أسبوع واحد على الهوجة الإسرائيلية حول السيرة الذاتية لهاغل، حتى راح رجال اللوبي اليهودي، المرابطون في أعلى مقامات الأروقة السياسية الأميركية، يتحركون ويتحرون مدى صدقية المزاعم المرفوعة في وجه الرئيس الأميركي ووجه مرشحه لحقيبة الدفاع.
في هذا المضمار، وعلى سبيل قطع الشك باليقين، أعلن السيناتور تشاك شومر، وهو عمدة الأعضاء اليهود في الكونغرس الأميركي، أنه التقى هاغل واستمع منه مباشرة، وأنه راض عن ترشيحه "ولا داعي للسخط عليه من جانب إسرائيل..".
بناء على هذا السيناريو، سيظن البعض أن الغضبة الإسرائيلية قد آتت أكلها، حتى اضطر هاغل إلى لحس قناعاته السابقة والتخلي عن بعض ثوابته. ولا معنى لهذا الظن سوى أن الرضى الإسرائيلي هو بالفعل شرط جوهري لصعود كبار نجوم السياسة وصنع القرار الأميركي، في ما يخص الملفات المرتبطة بمصالح إسرائيلية. وهذا تكييف لا يستقيم وسيرورة الحكم والسياسة الخارجية في دولة بعظمة الولايات المتحدة، كما أنه يبالغ بإفراط في النظر إلى نفوذ إسرائيل واللوبي اليهودي هناك.
والأمر ببساطة، هو أن هاغل المتأهب لتولي عبء وزارة الدفاع، غير هاغل السيناتور في مجلس الشيوخ. فالرجل يدرك أن مقتضيات الوزارة، تقتضي الاصطفاف خلف المواقف والسياسات الحكومية التي يقودها أوباما. ومن المعلوم للكافة أن هذه الحكومة ليست بصدد الحوار مع حزب الله وحركة حماس، وأنها ما زالت حريصة على سياسة الخيارات المفتوحة مع إيران، وهي المواقف ذاتها التي تعهد بها هاغل للعراب اليهودي الصهيوني شومر.
هذا هو أقرب التفسيرات إلى منطق صنع السياسة في دولة تحترم العمل الممأسس كالولايات المتحدة، ولو صح أن هاغل غير جلده نزولا عند أهواء إسرائيل ومحازبيها في واشنطن، لحق القول بأن على الرئيس الأميركي وأركان حكمه استئذان الساسة الإسرائيليين في ما ينبغي وما لا ينبغي عليهم فعله، ولتعين علينا انتظار إعلان التشكيل الوزاري الأميركي من تل أبيب، وليس من واشنطن. في الدول الممأسسة، يملك البرلمانيون مساحة أكبر للتعبير عن قناعاتهم وتوجهاتهم الحزبية أو حتى الشخصية، فيما يلتزم الوزراء بالسياسات الحكومية العامة كما تمليها المصالح العليا للدولة.. واقعة هاغل في الولايات المتحدة، ليست سوى نموذج معبر عن هذه القاعدة.