أميركا والمعادلة الأصعب

أميركا، كما قال الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطابه الافتتاحي: "عندما تزدهر قلة متناقصة لا يمكنها أن تنجح، ولا تكاد أغلبية متزايدة تتدبر أمورها".

لا يمكن حتى لشديدي الثراء أن يواصلوا النجاح من دون رخاء قاعدته أكثر اتساعا، ويرجع هذا إلى أن 70% من النشاط الاقتصادي الأميركي يتمثل في الإنفاق الاستهلاكي، وعندما يصبح معظم الأميركيين أكثر فقرا فإنهم سيكونون أقل قدرة على الإنفاق، ومن دون إنفاق فإن الاقتصاد لا يمكنه أن يحقق انطلاقته الأولى، وهذا هو السبب الكبير الكامن وراء استمرار محدودية الانتعاش في أميركا.

ربع كل الوظائف في أميركا تقريبا الآن، يحقق دخلا يقع تحت خط الفقر بالنسبة لعائلة مؤلفة من 4 أشخاص، ويقدر مكتب إحصاءات العمل أنه في العقد المقبل، فإن 7 من كل 10 وظائف نمو سوف تكون محدودة الراتب، مثل خدمة العملاء في متاجر التجزئة الكبرى وسلسلة مطاعم الوجبات السريعة.

وبهذا المعدل، من الذي سيشتري كل السلع والخدمات التي تستطيع أميركا إنتاجها؟ إننا لا يمكن أن نعود إلى نوعية الاستهلاك الممول بالدين، الذي كان سبب الفقاعة في المقام الأول. إنها ليست لعبة صفرية، والأثرياء الأميركيون سيحققون نتائج أفضل بأنصبة أصغر من اقتصاد ينمو بشكل متسارع، مقارنة بالأنصبة الكبيرة التي يملكونها الآن من اقتصاد لا يتحرك إلا بالكاد. ولو أنهم هؤلاء الأثرياء كانوا منطقيين، لبادروا إلى دعم الاستثمارات العامة في التعليم والتدريب الوظيفي وبنية تحتية على مستوى عالمي (النقل، الماء، الصرف الصحي، الطاقة والإنترنت) والبحث الأساسي، وهي أمور من شأنها أن تجعل قوة العمل الأميركية أكثر إنتاجية. ولو أنهم كانوا منطقيين لبادروا حتى إلى تأييد نقابات العمال، التي برهنت على أنها أفضل طريقة لإعطاء العمال نصيبا عادلا من رخاء الأمة.

لكن النقابات تكاد تكون منقرضة تقريبا، وتراجع هذه النقابات في أميركا يسير بالضبط على المسار نفسه الخاص بتقلص نصيب الـ90% الأقل حظا من إجمالي العائدات، وتقلص الطبقة المتوسطة.

في الخمسينيات عندما كان الاقتصاد الأميركي ينمو بمعدل أسرع من 3% سنويا، كان ما يزيد على ثلث العاملين الأميركيين ينتمون إلى نقابة ما، وقد أعطاهم هذا قدرة مساومة في الحصول على أجور أتاحت لهم استهلاك ما كان الاقتصاد الأميركي قادرا على إنتاجه. ولكن اعتبارا من عام 2012، كان 6.6% فقط من العاملين الأميركيين في القطاع الخاص مندرجين في نقابات، وهو أدنى معدل للاندراج في النقابات خلال قرن من الزمن على وجه التقريب.

على كاهل من يقع اللوم؟ إنه يقع بشكل جزئي على كاهل العولمة والتغير التقني، فالعولمة دفعت إلى الخارج بالكثير من الوظائف التي كان شاغلوها ينتمون إلى النقابات، والتقنيات حلت محل الكثير من العاملين الذين كانوا أعضاء نقابات في السابق، وذلك في قطاع الاتصالات وفي الوظائف المتعلقة بالأعمال المكتبية. ولكن الدول الأخرى الخاضعة للقوى نفسها، لديها مستويات أعلى بكثير من الانتماء إلى النقابات مقارنة بالمستويات السائدة في أميركا، فحوالي 28% من قوة العمل في كندا تنتمي إلى النقابات، وكذلك الحال بالنسبة لما يزيد على 25% في بريطانيا و20% تقريبا في المانيا.

إن النقابات منقرضة في أميركا تقريبا، لأننا اخترنا أن نجعلها كذلك. وخلافا للدول الغنية الأخرى، فإن قوانين العمل الأميركية تسمح للقائمين بالتشغيل، بأن يحلوا عمالا آخرين محل العمال المضربين، وقد جعلنا من الصعب بصورة متزايدة على العمال أن ينظموا أنفسهم، ونحن لا نفرض إلا بالكاد عقوبات على الشركات التي تنتهك قوانين العمل (يمكن للعامل الذي يطرد بصورة غير قانونية لمحاولته تنظيم نقابة، أن يستعيد وظيفته وراتبه بأثر رجعي إذا كان محظوظا، بعد سنوات من المنازعات القانونية).

لا تلوموا العولمة ولا التغيير التقني على أن العاملين في سلسلة متاجر وول مارت، التي تعتبر أكبر مشغل في أميركا، لا يزالون بلا نقابة، فهم ليسوا في تنافس عالمي والتقنية لا تهدد وظائفهم بشكل مباشر. ومتوسط أجر العامل في وول مارت هو 8.81 دولارات للساعة الواحدة، وثلث العاملين فيها يعملون أقل من 28 ساعة في الأسبوع، ولا يحصلون على الاستحقاقات.

وتعد وول مارت نموذجا مصغرا للاقتصاد الأميركي، فهي قد حاربت بضراوة النقابات، ولكن بمقدورها في يسر أن تدفع المزيد لعمالها، وقد بلغت عائداتها في العام الماضي 16 مليار دولار، ومضى جانب كبير من هذا المبلغ إلى حملة أسهم الشركة، بمن فيهم عائلة مؤسسها سام والتون. وتتجاوز ثروة عائلة والتون الآن ثروة الـ40% الذين يقعون في أسفل عائلات المجتمع الأميركي مجتمعين، بحسب تحليل أجراه معهد السياسة الاقتصادية.

ولكن كيف يمكن لوول مارت أن تتوقع أن تستمر في الحصول على أرباح كبيرة بينما معظم مستهلكيها موجودون في السلم الاقتصادي الآخذ في الانحدار؟ إن وول مارت ينبغي إضفاء الطابع النقابي عليها، وكذلك الحال بالنسبة لماكدونالدز وكل شركة تجزئة عملاقة، وكل سلسلة مطاعم وجبات سريعة في أميركا، وكذلك كل مستشفى هناك.

وبهذه الطريقة فإن مزيدا من الأميركيين سوف تتوافر لهم أموال كافية لجعل الاقتصاد يتحرك، وسوف يستفيد الجميع بمن في ذلك ذوو الثراء الطائل. وكما قال الرئيس أوباما، فإن أميركا لا يمكنها النجاح بينما قلة متقلصة تزدهر وكثرة متزايدة تقيم أودها بالكاد.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات