قال لي أحدهم غير مرة؛ لماذا هذا الخوف المبالغ فيه على اللغة العربية والدعوة الدائمة للحفاظ عليها؟ لمَ لا تدعونها تخوض معركتها الحتمية ما دمتم واثقين من قدرتها على التحدي والصمود؟! قلت له: يا صاحبي، إن سر صمودها هو أنها تحتفظ في ظل تحديات كبيرة بكونها الكامنة، وإننا في دفاعنا عن أن تكون اللغة العربية في القلب من حياتنا، لا ندافع عنها بقدر ما ندافع عن أنفسنا وعن هويتنا وعن تميزنا.

 ففي ظل عالم بلا حدود، لا بد أن تأتي لحظات نسأل أنفسنا من نحن وماذا نريد؟ واللغة هي أهم أدوات الإلهام في تحديد تلك الهوية المحددة، وهذا ليس بدعا من القول، ألم يغادر الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك أحد المحافل حينما تحدث وزير خارجيته بلغة غير الفرنسية؟ إنه حال كل الأمم التي تود أن تحتفظ بشخصيتها الوطنية المميزة.

والإمارات كانت دائما وما زالت معنية بالتمكين للغة العربية بين أبنائها، عبر إنشاء أول جمعية لحماية اللغة العربية في المنطقة، فضلا عن مبادرات قيادتها في الدفع بها في مجالات مختلفة، لتصبح لغة الضاد على النحو الذي يجعلنا نفخر بالانتماء إليها.

ولأن لكل عصر أقنيته ووسائله، كما أن لكل عصر جيله وشبابه، ولكل زمان تحدياته الواجبة مواجهتها أحيانا أو تطويعها للاستفادة منها قدر الإمكان، فإن ذلك يدفعنا لتحويل العوائق أو مصادر التهديد إلى محفزات وأبواب واسعة للتعريف بلغتنا وثقافتنا، التي تمتلك في ذاتها عناصر قوتها ويكمن فيها سر خلودها، وتحمل بين ثناياها كل عوامل الانجذاب إليها، كيف لا وهي اللغة التي أنزل الله بها وحيه وتكفل بحفظ ذكره؟

من هنا أصبح لما يسمى "الإعلام الجديد" مريدون من مختلف المراحل العمرية، تم اقتطاعهم من جمهور وسائل الإعلام بصفة عامة والتليفزيون على وجه الخصوص، حسب تقرير هيئة الإذاعة البريطانية، الذي أكد أن التليفزيون يفقد عرشه لصالح هذه الأدوات الجديدة التي استحدثت لغة جديدة للتواصل، فكان لا بد من الاشتباك مع هذا الواقع والاعتراف بوجوده، حتى يمكننا تشخيصه وتوضيح سبل التعامل معه، دون أن نظل في حالة جلد للذات أو التحسر على مستقبل مهدد وجيل جاحد وتفريط في ثوابت، عملا بالحكمة القائلة "بدلا من أن نلعن الظلام علينا أن نشعل شمعة".

وهنا أود أن أؤكد أن هذه الحالة من التباعد بين أبناء اللغة العربية ولغتهم في ثوبها الصافي النقي، هو عرض لمرض يبدأ من المراحل الأولى للتعليم التي لم تنمّ القدرة لدى التلميذ على فهم النص، فضلا عن الاستمتاع به، بجانب مجامع لغوية ارتضت أن تعيش في برج عال، وأن تنحت مصطلحات مقابلة لمستجدات العصر ظلت مهجورة غريبة ثقيلة رغم صحتها، ونتج عن ذلك تلك اللغة التي ارتضاها الشباب لنفسه.

لذلك قام الشباب في العالم العربي بتسطير قواميسه اللغوية بنفسه، متجها إلى تركيب تعابير جديدة والخلط بين العربي والأجنبي في التواصل، وخاصة في المستجدات من الأمور، أو عبر الاقتراض من عالم اللغة ما يلبي رغبته ويسد حاجاته.

وفي هذا السياق يأتي الإعلام الذي ساعد على تعميق الشقة بين أهل اللغة الواحدة، والشاهد أن برامج للمواهب في العالم العربي وأكثرها شهرة ومتابعة، أسماؤها ليست باللغة العربية، فضلا عن أن الكثير من المواهب المعروضة يكرس حالة الجفاء بين الشباب وثقافته، واللغة هي أحد أهم أدوات تحصيلها وكذلك التعبير عنها، وهي الوعاء الحامي لها والمحافظ على نقلها من جيل إلى جيل.

وهنا أود أن أوضح أن الشعوب العربية تواجه واقعا دوليا في مجال التواصل، لم تشارك في صناعته أو وضع القواعد المنظمة له، ولكنها ليست بمعزل عن تأثيراته وتوابعه، ومن ثم لا مفر من محاولة تطويعه للاستفادة منه قدر الإمكان، لننتقل من مربع التأثر إلى مربع التأثير، وبداية الغيث أن يكتب أبناؤنا تغريداتهم باللغة العربية.

إننا نأسى كثيرا للغربة التي صارت بين الأجيال الجديدة وبين صحيح لغتهم، وهذه الغربة عرض لمرض، هو أننا في كثير من الأحايين ندفع بأبنائنا دفعا في اتجاه آخر ظانين أنه الخير، ثم نجد أنفسنا أمام معضلة فقد القدرة على التأثير، لأن الأدوات التي نستخدمها اختلفت عن أدواتهم، فبات كل منا في واد بعيدا عن الآخر نفسيا وفكريا وإن جمعنا مكان واحد، وهذه نتيجة منطقية لبدايات غير واعية من ناحية الأسرة.

كيف نطلب من أبنائنا أن يتأثروا ببيت من الشعر أو حكمة بالغة أو نص محكم، والصلة مقطوعة بينه وبين استيعابه لها، وهي أحد أهم أدوات تشكيل الوجدان والفكر؟ كيف نعيد للغتنا سحر تأثيرها وجمال نظمها على أولادنا، وقد باتت غيرها من اللغات أقرب إلى نفوسهم، وصارت لغتهم في نظرهم مكبلة لأفكارهم أو غير قادرة على التعبير عن مشاعرهم، فصاروا يبحثون عن شكل آخر نحتوه من وحي أفكارهم، يجمع بين الأرقام والحروف في شكل يثير الفزع والخوف، والغريب أن أنصاره ومستخدميه في تزايد مستمر!

كيف لنا أن نعطي ظهورنا لاحد أهم أدوات تشكيل الفكر والوجدان والتأثير في الفكر والسلوك، ثم نطلب من أبنائنا أن يحافظوا على هويتهم وثقافتهم مع الانفتاح على ثقافات العالم، كمن ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك أن تبتل بالماء؟

لذا على كل المعنيين بهموم اللغة العربية استثمار هذا العالم الافتراضي بكافة أدواته، لتنمية القدرات اللغوية لأبنائنا وتوجيههم إلى التحدث وكتابة لغة صحيحة بعيدة عن الشوائب، وتصفية لغتنا الجميلة من المفردات غير العربية، عبر قاعدة من البيانات يمكن الرجوع إليها كمعينات في التعبير والتصحيح.

ومن الأهمية بمكان إطلاق حملة يتقدمها المتخصصون، لمواجهة المفردات الدخيلة على لغتنا، والدعوة إلى نشر ما هو صحيح، حتى وإن كان غير مألوف في البداية، فالألفة تأتي بالممارسة والاستخدام، فضلا عن التواصل بين طلبة الجامعة وأساتذتهم في ما يخص دراستهم، شرط الكتابة والتحدث بالعربية الفصحى البسيطة، وهنا يتعاظم دور وسائل التواصل في نشر لغتنا بدلا من تهديدها.