لو حاولنا تخيل صورة مستقبلية على الأقل حتى العام 2050 مبنية على الواقع الحالي ومعتمدة على الدراسات والبحوث المعمولة لتطور واقعنا المعاش لما بدت تلك الصور كلها وردية بل أن بعضها تبدو صوراً قاتمة بل مخيفة أحيانا. فخلف تلك المظاهر البراقة والابنية الفخمة والتنمية السريعة يكمن واقع مغاير عن ما نوده أو نحلم به، واقع مختلف كلياً عما نحاول أن نوجده في أدبياتنا اليوم أو نروجه لأنفسنا.

فلا يخفى على أحد أن الإمارات في الوقت الراهن تواجه الكثير من التحديات بعضها ديمغرافي واجتماعي والآخر فكرى وأيديلوجي من الصعب التنبؤ بالكيفية التي سوف يتم التعامل معها أو التصدي لإفرازاتها، وبالتالي بالكيفية التي سوف يتم تعامل الجيل الجديد معها.

البعض من هذه التحديات قديم وربما أقدم من الاتحاد نفسه والبعض الآخر مرتبط بسياسات غير مدروسة أنتجت جملة من التحديات الثقيلة التي كان على الدولة مواجهتها والبعض الثالث مرتبط بالحداثة نفسها وبعواملها ومؤثراتها. المحللون الاستراتيجيون الذين يحاولون التوصل إلى صورة مستقبلية قريبة من واقعنا أكثر وأولئك الذين يحاولون تفسير وتحليل تلك الصور في ضوء المتغيرات المحتملة والمتوقعة أكثر.

ولكن ربما تتغير كل الصور كلياً في ضوء ما حصل وما سوف يحصل مستقبلًا. الرهانات كثيرة والسيناريوهات التي توردنا في كل يوم اكثر ولكن الملاحظ أنها ليست كلها وردية، تضاهي ما نحلم به بل أن بعضها قاتم نحاول التعامل معه بكل عقل.

أحد أهم التحديات التي لا يختلف عليها اثنان هو التحدي الديمغرافي. فعلى الرغم من تكهن البعض بأن هذا الوضع سوف يبدأ في التحسن بحلول عام 2050 ومع بدء تنفيذ حزمة الإجراءات والسياسيات الخاصة بتعديل التركيبة السكانية الا أن البعض الآخر لا يزال يحمل من التشاؤم الشيء الكثير. فالمصالح الاقتصادية ومتطلبات التنمية وفوق كل ذلك متطلبات العولمة سوف تحتم على الدولة انتهاج سياسات اقتصادية.

وبالتالي سكانية أكثر انفتاحاً وأكثر لينا، وبالتالي سوف تكون الدولة أقل قدرة على التحرك في طريق إغلاق هذا الملف. فالطلب على العمالة الخارجية، خاصة في ضوء اتساع دائرة التنمية الاقتصادية وانفتاحها وخروجها عن النطاق الحالي إلى نطاق أوسع، سوف يزداد وسوف يتطلب الأمر أيد عاملة أكبر بكثير مما تستطيع العمالة المواطنة توفيره. وبالتالي سوف يظل ملف التركيبة السكانية على طاولة البحث لعقود أخرى قادمة.

مرتبط بملف التركيبة السكانية ملف آخر لا يقل خطورة عنه ألا وهو ملف الأمن الداخلي. فالواقع المعاش يبرز لنا واقعاً أمنياً وصورة حضارية متميزة ولكن هذا الواقع لا يمكن الاعتماد عليه كثيراً. فالتهديدات الأمنية كثيرة بعضها جاء نتيجة سياسات الهجرة والإقامة المتبعة والبعض الآخر نتيجة التراخي في تطبيق بعض الإجراءات الأمنية التي من شأنها حفظ أمن واستقرار المجتمع ككل.

وعلى الرغم من السمعة والثقة الكبيرة التي تحظى بها أجهزتنا الأمنية إلا أننا لا نزال بحاجة إلى جهود إضافية تحمي المجتمع من الجريمة المنظمة والمخدرات والجرائم الإلكترونية وغسيل الأموال وغيرها من نتاج الطفرة والتطور والانفتاح. الملف الأمني مرشح لأن يبقى مفتوحاً خلال العقود القادمة نظراً لعدة عوامل يأتي على رأسها موقع الدولة والسمعة الاقتصادية التي تحظى بها وفوق كل ذلك التطور الاقتصادي السريع التي تمر به والتي يجعلها محط الأنظار ومستهدفة من قبل ضعاف النفوس.

وعلى الرغم من عمق التحديات الماضية الا أنه يبقى التحدي الاجتماعي والفكري والأيدلوجي الأعمق والأكثر تأثيراً والأقل قدرة على المواجهة والتصدي لإفرازاته لأنه وبكل بساطة مرتبط بالتنمية الاجتماعية والفكرية في المجتمع وخطوط سيرها.

وفي هذا المجال لن تكون الإمارات وحدها هي الوحيدة المستهدفة أو التي سوف تتأثر بهذه التحديات، فمجتمعات الخليج جميعاً سوف تكون سواء في مواجهة تلك التحديات والتصدي لها، التحدي الفكري والأيدلوجي والأصولي سوف يكون واحداً من أهم بل أخطر التحديات التي سوف تواجه دول الخليج خلال العقود القادمة وما لم تتخذ هذه الدول إجراءات قوية وتبذل الجهود المشتركة لكبح جماح هذا المد فإنه سوف يظل يهددها ويرسم صورة قاتمة للوضع ككل.

ملف التحدي الاجتماعي والفكري سوف يكون موجوداً على طاولة البحث لعقود طويلة قادمة وعلى الرغم من كل الجهود المعمولة لخلق واقع اجتماعي وفكري يوازى الواقع الاقتصادي الحالي ويواكبه ويخلق نوعاً من التوازن بين ما هو حاصل وما سوف يحصل، إلا أن كل المؤشرات تدل على أن ملف التنمية الاجتماعية والفكرية سوف يكون حاضراً في العقود القادمة بل أكثر حضوراً مما هو عليه اليوم.

السيناريوهات والرهانات التي توصل إليها المحللون بعضها مظلم وقاتم ومقلق، ولكن الثقة في قدرة مجتمعنا على مواجهة تلك الرهانات والتحديات والتغلب عليها هي الأخرى كبيرة. فسمة غالبة على مجتمعنا طوال تاريخه هو قدرته الكبيرة على تجاوز التحديات الصعبة وإيجاد واقع جميل ووردي مغاير عما رسمه له كل المحللين ومستشرفي المستقبل.

ولنا عبرة في الواقع السياسي نفسه. فمن كان يتخيل قبل خمسين عاماً وجود اتحاد يضم كل إمارات الدولة ويحتويها ويحميها، ومن كان يتصور كل هذا التطور الهائل الذي جعل الإمارات وفي غضون سنوات قليلة معجزة اقتصادية كبيرة وأنموذجاً رائعاً للنمو الاقتصادي الباهر؟

إن الجيل الذي أسس وأوجد الاتحاد قادر على إنجاب جيل آخر قادر على صيانة الاتحاد والمحافظة على منجزاته والتصدي لكافة التحديات التي تواجهه. فطبيعة مجتمعنا الديناميكية والمتغيرة سوف تظل على الدوام تنتج صوراً كثيرة ومختلفة ومتنوعة علينا التعامل معها بكل حذر وبكل حكمة وعقل. فليس كل ما يلمع ذهباً وليس كل صورة سوداء وراءها واقع متشائم.