البشرية في تصنيفاتها الثلاثة كأفراد وتنظيمات ودول في سعيٍ لا تهدأ وتيرته من البحث عن الظهور والتفوّق على الأقران، ومن العمل على ايجاد موطئ قدم على مسرح الأحداث، فينجح البعض ويخفق البعض الآخر، وكلما كان عامل النجاح مبتكراً كلما كان زمن الوصول للطموح أسرع والبقاء تحت الأضواء أطول، فتلك هي الميزة التنافسية التي تُميّز كياناً عن آخر وتبدو كخصائص الجينات الخاصة والفارقة.

لم تكن تلك الأراضي الواقعة على سفوح الأنديز الغربية، والتي كان يؤمها الإنكا في الشمال وقبائل المابوتشي في الجنوب معروفةً قبل أن تَسفِكَ الدماءَ بها غاراتُ الغزاة الاسبان في القرن السادس عشر، ثم يغفو عنها التاريخ ردحاً من الزمن إلى أن يرد ذكرها لا لشيءٍ سوى لدموية الديكتاتور أغوستو بينوشيه وقصصه الشبيهة بقصص قراقوش في المأثور العربي، قبل أن تعود للمسار الديمقراطي وتلملم جراحاتها وتقود أميركا اللاتينية حالياً في مؤشرات التنمية البشرية والتنافسية ونسبة الدخل للفرد والحرية الاقتصادية وأقل نسبة فساد، وليصبح ترتيبها 43 عالمياً بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي والمقدر عام 2012 بـ 319 مليار دولار وبنمو قارب 5% لتكون في المركز 55

ولأن الجادّ لا يتوقف والطَموح لا يكتفي بنجاح الحاضر، ولأن الشركات الناجحة تنغلق سريعاً على نفسها وتتشبّث بالوضع القائم خوفاً من الفشل في حالة أي محاولة جريئة للتجديد مما يوجب البحث عن الابتكار من الخارج، فقد أطلقت حكومة تشيلي مبادرة لجذب الشباب الطموحين لبدء مشاريعهم في تشيلي مع مزايا عديدة: منحة 40 ألف دولار، وإقامة مجانية لمدة سنة، ومساحة مكتب مجانية واستخدام لكل تسهيلات القنوات البحثية، وذلك لتحويل تشيلي إلى مركز للابتكار والأعمال في أميركا اللاتينية.

وقد سارعت المبادرة بجذب شباب لامعين من خريجي هارفارد و MIT و كولومبيا وأكسفورد، وتهافتت الطلبات فضلاً عن تشيلي من الولايات المتحدة والأرجنتين والبرازيل واسبانيا والهند بل ومن دول مثل ترينيداد وتوباجو ولاتفيا وأوغندا، وقد أفلحت تشيلي حيث فشلت (سيليكون فالي) الأميركية في جزئيتين: الإقامة المجانية وتقييم فكرة المشروع قبل السماح له، فكثيرون طردوا من سيليكون فالي بسبب جمود قوانين الإقامة، كما تسبّبت كثرة المشاريع المكررة بل والحمقاء أيضاً بسقوطها مرات عديدة!

تقييم أفكار المشاريع يتم من خلال خبراء من سيليكون فالي نفسها ومجلس محلي للابتكار للتأكد من تميز الفكرة وامكانية توسيعها مستقبلاً وخدمتها للصورة الكبيرة، فتشيلي تحاول إصلاح مسار الشركات الخاصة والتي انحرفت كما يقول مايكل بورتر لتخدم الجشع الشخصي على حساب المجتمع، لذا يتم تقييم كل المشاركين بعدد من المؤشرات (اللامادية) كالمشاركة الفاعلة في الأحداث المحلية وتقديم المحاضرات وورش العمل التثقيفية والتخصصية للمواطنين وطلاب الجامعات، إضافة إلى مؤشرات جذب رؤوس أموال أجنبية أو محلية والنجاح بعمل تعاقدات مميزة مع شركات عالمية، وقد تم عقد أكثر من 380 اجتماعاً موسعاً مع رجال أعمال محليين، وعمل أكثر من 1000 ورشة عمل لنشر المعرفة وأفكار تلك المبادرات.

كما يمثل دعم المبادرة من الحكومة أن المنضم لهذا البرنامج سيكون دوماً في (الحلقة الصحيحة) دون دخول في تكتلات أو صراعات تفرضها أجواء تلك الدول، وبالتالي القدرة على التواصل مع مؤسسات عالمية وأسواق كبرى واستخدام قنوات رسمية مرموقة لتسويق منتجاتها وكسب الشراكات والتأكد دوماً من خدمة المشروع لفسيفساء الصورة الكبيرة لتشيلي المستقبل، وقد ساهم نجاح المبادرة في ظهور برامج محاكاة لها مثل Startup America وأُخريات في بريطانيا وايطاليا واليونان كما أعلنت البرازيل أنها ستطلق مبادرة مشابهة هذا العام !

ويشير بابلو لونجويرا وزير الاقتصاد الحالي إلى نجاح البرنامج في دعم الاقتصاد المحلي بزيادة عدد المشاريع المحليّة المحفَّزة والمتأثرة بأفكار مبادرات البرنامج، وإدراج العديد من الجامعات لمواد لتدريس الأعمال في مناهجها، وبدء الجامعة الكاثوليكية بإنشاء مركز قومي للابتكار، كما أسهم البرنامج في اثراء الصحف ووسائل الاعلام بمواد مفيدة وبالتالي الحصول على عوائد جيدة للمواد الإعلانية التي تستهدف إغراء هذه المشاريع، فضلاً عن كون المبادرة أداة تسويقية هائلة للجمهورية والتي لم نكن نعرف عنها في السابق سوى تصدرها إنتاج النحاس ولاعب نادي العين خورخي فالديفيا!

أشير هنا لمشروعين من مشاريع المبادرة لنقف على البُعد الذي تحاول الوصول إليه في "إنزال" البرمجيات من بروج التعقيد العاجية إلى عالم الواقع وبساطته، فمشروع (التاكسي الآمن) لشابين من الأرجنتين وسويسرا عمل على تطوير برنامج للدفع لسيارات الأجرة من خلال جهاز الموبايل لجعلها أكثر أمناً للراكب والسائق معاً في تلك القارة الآهلة بجرائم السرقة، ويعمل البرنامج حالياً في عواصم تشيلي والبرازيل والأرجنتين لعدد 2000 تاكسي وأكثر من 80 ألف مشترك رغم أنه مازال بمرحلته الأولى، بينما يهدف مشروع (السحاب الإحصائي) لشابٍ من تشيلي للتعرف على وجوه البشر، إذ سيتم خلال مرحلته الأولى القدرة على التعرف على وجه أي شخص خلال ثانيتين بمسح لعشرة ملايين ملف بدقة 99% بينما خلال 3 سنوات سيتم الرجوع لعدد لا متناهي من الملفات حول العالم مما سينسينا تماماً السؤال الإماراتي الشهير: "منو الريّال؟" !

المبادرة لن تجعل تشيلي تتفوق على البرازيل والتي يفوق اقتصادها اقتصاد تشيلي بعشر مرات وهي لا تحاول ذلك أصلاً، فهي تريد أن تكون سنغافورة اللاتينيين إن تم اعتبار البرازيل بمثابة الصين اللاتينية، فهي تبحث عن الميزة التنافسية الخاصة بها لا الحجم الكبير، وترى في مثل هذه المبادرة طريقاً مثالياً لكسب "ماراثون" التميز بـ"استعارة" أفكار الآخرين وطموحهم، الأمر الذي يؤكده وزير الاقتصاد السابق خوان أندري فونتين بقوله: "بدلاً من تغيير العالم بالثورات نستطيع أن نغيّره بالابتكارات".