ثلاثة أكواب من الشاي

لقد أصبح القطاع الخيري والتطوعي لاعباً مهماً في اقتصادات المجتمعات الغربية وأصبح جزءاً لايتجزأ من منظومة الخدمات التي تقدم للمجتمع لعدم قدرة الحكومات على تقديم هذه الخدمات من دون مساعدة المؤسسات الخيرية، فعلى سبيل المثال تقوم هذه المؤسسات أو الجمعيات بتمويل بعض الخدمات الأساسية التي تحتاجها المجتمعات وتدعم بعض القطاعات الحيوية في المجتمع كقطاع التعليم والثقافة والفنون والصحة، ومن المتوقع أن يزداد دور هذا القطاع دولياً ليصبح جزءاً مهماً من النظام العالمي الجديد.

ومن المؤلفات الجميلة في هذا المجال كتاب "ثلاثة أكواب من الشاي" للمؤلف الأميركي "جريج مورتينسون" والذي يحكي فيه قصته حين ضل طريقه بين جبال باكستان الشاهقة بينما كان ضمن فريق من متسلقي الجبال، حيث كان يطمح لوضع إكليل من الورود على قمة سلسة جبال الهمالايا لتحقيق حلم شقيقته التي توفيت منذ سنوات، وشاء القدر أن يتم انقاذ "مورتينسون" من قبل أهل قرية باكستانية بسطاء، وفي القرية شرب "مورتينسون" ثلاثة أكواب من الشاي، اتضح له بعدها أن ذلك يعني في ثقافة أهل تلك المنطقة بأن الضيف لم يعد غريباً بل أصبح واحداً من أهل القرية، وعرفانا بالجميل لأهالي القرية البسطاء قرر "مورتينسون" أن يهب حياته لبناء المدارس في تلك المناطق بعد أن رأى الأطفال يدرسون في العراء وسط الثلوج، وأسس لهذا الغرض جمعية خيرية تسمى جمعية وسط آسيا لبناء المدارس.

واصلت الجمعية الخيرية التي أسسها "مورتينسون" عملها في بناء المدارس في تلك المناطق بدعم من المتبرعين من جميع أنحاء العالم، إلى أن أصيبت بانتكاسة كبيرة عام 2012 عندما قام مجموعة من الأشخاص الذين تبرعوا للجمعية برفع دعوى قضائية ضد "مورتينسون" يتهمونه فيها بسوء الإدارة وتبديد أموال المتبرعين والمانحين، بعد أن عرض برنامج ستون دقيقة الشهير حلقة تظهر أن المؤسسة الخيرية التي أنشأها "جريج مورتينسون" قامت بتبديد ما يقارب 50% من أموال المتبرعين على نفقات غير متعلقة ببناء المدارس أو بالهدف الذي قامت من أجله المؤسسة.

وبعد هذه الفضائح والقضايا ودفع المبالغ الضخمة للمحامين والخبراء انتهت القضية بأن عقد "مورتينسون" صفقة مع النائب العام لمنطقة مونتانا تقضي بإنهاء جميع الملاحقات القضائية ضده بشرط دفع مبلغ مليون دولار للجمعية واستقالته من مجلس إدارتها، إلا أن النائب العام "ستيف بلوك " قال ما اعتبره شهادة في حق "جريج"، حيث أشار إلى أنه لم يقم متعمدا بخداع الجمعية الخيرية أو أعضاء مجلس الإدارة أو المتبرعين ولكن جهله وإهماله للقواعد المالية والمحاسبية وعدم وجود شفافية في عمل المؤسسة أدى إلى إهداره وتبديده لمبلغ 6 ملايين دولار من أموال المتبرعين .

وقصة "جريج مورتينسون" تحتاج منا إلى وقفة وتأمل في الدروس التي يمكن أن نستفيدها، وأهم هذه الدروس من وجهة نظري، أن حسن النية والرغبة في المساعدة من دون وجود تنظيم مؤسسي وشفافية، قد تكون عواقبه وخيمة على المؤسسات الخيرية والقائمين عليها وعلى المتبرعين أو المانحين، كما أن العمل الخيري له خصوصيته وتعقيداته الإدارية والمالية والتي يجب أن يكون القائمون عليها ملمين بها.

ولأهمية هذا القطاع ولزيادة الشفافية والمسؤولية فيه وتلافي ما حدث مع السيد "جريج" قامت دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي بأكتوبر من عام 2012 بربط جميع المؤسسات الخيرية التي تقوم الدائرة بالإشراف عليها الكترونيا على الصعيدين المالي والإداري، ويهدف هذه الربط الإلكتروني إلى زيادة متابعة الدائرة لهذه المؤسسات ومراقبتها ماليا وإداريا والتحقق من التزامها بأهداف تأسيسها وتعزيز الشفافية والحوكمة الرشيدة لهذه المؤسسات والتي تضمن تنافسية ونمو هذا القطاع.

وتعد مبادرة دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، خطوة أولى على طريق تفعيل العمل المؤسسي وحوكمة المؤسسات الخيرية، ويجب أن تكون حوكمة هذه المؤسسات ضمن القناعات والأهداف التي تسعى هذه المؤسسات والقائمين عليها إلى تحقيقها، وأن تكون أحد المرتكزات الرئيسية التي تساعدها على النمو والتطور والقيام بالعمل الخيري بأقصى درجات المهنية والاحترافية.

وعلى مجالس إدارة هذه المؤسسات وضع اللوائح وسياسات الحوكمة لتنظيم شؤؤنها الإدارية والمالية وتعزيز الشفافية في عملها وإتاحة المعلومات للجمهور للاطلاع على عمليات هذه الجمعيات وأنشطتها ومصادر تمويلها وعلاقاتها بالمتبرعين والمستفيدين والتعرف على آلية اختيار أعضاء مجالس إدارتها ومؤهلاتهم العلمية والعملية، وماهية الآليات الموضوعة لتجنب تضارب المصالح.

كما يتوجب على هذه الجمعيات تقديم تقرير سنوي مفصل عن أعمالها للمستفيدين وللمتبرعين يوضح مؤشرات الأداء الموضوعة من قبل مجلس إدارة المؤسسة لتقييم كفاءة أداء المؤسسة المالي والإداري، ومدى تحقيق المؤسسة الخيرية لأهداف تأسيسها وكيفية تحقيقها لأهدافها، ومن شأن هذا التقرير السنوي دعم نمو التبرعات.

وعلى الرغم من أن بعض المؤسسات الخيرية والتطوعية تعتبر نموذجاً يحتذى في التنظيم المؤسسي والشفافية والحوكمة ولكن قد تكون الفرصة مناسبة لتأخذ دولة الإمارات دورها الريادي في المنطقة كسباقة في وضع الأطر القانونية اللازمة لحوكمة المؤسسات الخيرية والتطوعية بجميع أنواعها، سواء تلك التي تعنى بالشأن المحلي أو التي تعنى بالشأن الإنساني الدولي لكي تلعب هذه المؤسسات دورها في التنمية المحلية والدولية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات