فرضت الولايات المتحدة نفوذها على المسرح السياسي العالمي بقوة، بُعيد نهاية الحرب العالمية الثانية، وأصبح لها ما تقوله وما يلزم الآخرين سماعه. فقد بات المسرح الدولي يحمل إلى حد كبير معالم الختم الأميركي، حين بدأت الولايات المتحدة تمارس مهامها كقوة عظمى، ترفع صوتها عالياً بالفيتو في مجلس الأمن الدولي، أو تُجيش الجيوش للتدخل في أقصى بقاع الدنيا لتغيير وضع سياسي قائم، أو تصنع توازناً يروق لها أو لتثبت للآخرين بأن حضورها يجعل الحلول للمشاكل بين الدول أكثر سهولة.

الولايات المتحدة تراقب على مدار الساعة كل صغيرة وكبيرة تجري على سطح الأرض، وفي مياه المحيطات، وفي الغلاف الجوي، من خلال شبكة أقمارها الاصطناعية وأساطيلها البحرية والجوية، التي تجوب محيطات العالم وأجواءه، لأنها أصبحت ترى أن أمنها القومي يكمن في كل بقعة من بقاع العالم، وذلك لأن لها مصالح في كل منها.

في سياق ذكر هذا الدور المتميز للولايات المتحدة في العالم، هناك سؤال مهم يطرح نفسه بقوة حول من صنع لها هذا الموقع القيادي الريادي في العالم، ومن منحها أسباب القوة هذه وهي دولة لم يتجاوز عمرها قرنين وبضع عشرات من السنين. ذلك هو ما أبرزه الرئيس باراك أوباما في إحدى فقرات خطابه بمناسبة تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة لدورة رئاسية ثانية.

وهي فقرة رغم أهميتها الاستثنائية، لم تحظ باهتمام يذكر في وسائل الإعلام. خطاب الرئيس أوباما يمكن قراءته من زوايا عدة، فهو بمثابة «مانفيستو» لا يخص الولايات المتحدة وحدها لحقبة السنوات الأربع المقبلة، وقد كتبت الكثير من التحليلات حوله، تناول معظمها الجوانب السياسية لما ورد فيه والتداعيات التي قد تترتب عليها، إلا أننا في هذه المقالة سنتناول جانباً آخر من هذا المانفيستو.

الرئيس أوباما، وبشكل لافت للنظر، ركز على أهمية دور «الطبقة الوسطى» في المرحلة المقبلة، ففي الخطاب الذي نحن بصدده قال بالحرف الواحد «إننا نعتقد أن رخاء أميركا يجب أن يرتكز على الأكتاف العريضة للطبقة الوسطى الصاعدة». والحقيقة أن هذه المقولة تستوجب بعض التوقف، لأنها غير تقليدية حين ترد على لسان رئيس أكبر دولة رأسمالية في العالم.

الرئيس أوباما يرى أن مستقبل الولايات المتحدة مرهون بحال «الطبقة الوسطى» التي يصفها بالصاعدة، لأنه يرى أن هذه الطبقة هي التي صنعت الولايات المتحدة، وهي وحدها القادرة على إبقائها في هذا الموقع المتميز. هذا الموضوع قد يكون مربكاً بعض الشيء لافتقاره إلى قدر كاف من الوضوح.

وذلك لعدم وجود معنى محدد لهذه الطبقة في المجتمع، فهي تعرف بطرائق مختلفة يسود الكثير منها الغموض والإبهام، حسب اجتهاد صاحب التعريف. كما أن مما يزيد الإرباك والالتباس في قول الرئيس هذا، أن هناك بعض المفكرين يرون عكس ما ذهب إليه، وهو أن دور هذه الطبقة في تراجع مستمر، وأن أوضاعها في حالة تدهور، سواء كان ذلك في الدول النامية أو الدول الصناعية الكبرى.

مصطلح «الطبقة الوسطى» حديث الاستعمال، إذ لم يرد في الأدبيات الماركسية التي تعنى عادة بمفهوم «الطبقة»، وهو أقرب إلى مفهوم طبقة البورجوازية الصغيرة التي تعتمدها تلك الأدبيات، وهي الطبقة التي تضم صغار المنتجين وأصحاب الحرف والمهن. يرد في بعض الأحيان بشكل غير دقيق، مصطلح «الإنتلجنسيا» كمرادف لهذه الطبقة.

وهو مصطلح روسي ورد للمرة الأولى في منتصف القرن التاسع عشر، لوصف الشريحة الاجتماعية التي تكرس ولاءها للفكر وللمعرفة، وترتبط بالآليات الخلاقة التي تصنع الفكر السياسي والاجتماعي الريادي، من خلال انشغالها بدراسة وتحليل ونقد ما يدور من أفكار وما يمارس من سلوكيات في المجتمع، تنبع من القيم الموروثة ومن الأخرى المستحدثة بفعل التطور العلمي والتكنولوجي.

أما في علم الاجتماع فلهذا المصطلح استخدامات عدة، فهو يعني في المجتمعات الأوروبية شريحة صغيرة من حملة الأفكار والثقافة المتميزة، شريحة لها ـ رغم قلة عددها ـ بعض النفوذ الفكري في المجتمع، ولها في بعض الأحيان قدر من النفوذ السياسي. ولهذه الشريحة صلات قوية مع الشرائح الأخرى في المجتمع ذات المهن الرفيعة، في مجالات العلوم والفنون والطب والهندسة والقانون.

وهناك تعريف أعم لمعنى «الطبقة الوسطى»، يتلخص في أنها تشمل شريحة التكنوقراط والعاملين في حقل التربية والتعليم على مختلف المستويات، وتشمل من يطلق عليهم «ذوو الياقات البيضاء» الذين يعملون في الدوائر الحكومية والشركات الخاصة، وتشمل كذلك الأطباء والمهندسين والقضاة والمحامين وأصحاب القلم من الكتاب والأدباء والشعراء والعاملين في حقل الإعلام، كما تشمل المهنيين من رجال الجيش والشرطة والأمن. فهذه الطبقة هي المسؤولة تربوياً وصحياً وإدارياً وأمنياً، عن أحوال المجتمع.

والملاحظ في هذا التعريف أن «الطبقة الوسطى» ليست كتلة متجانسة من البشر، وإنما تتكون من شرائح متعددة، يتباين دخلها وظروفها المعيشية بما يمكن وضعها في مستويات: عليا ومتوسطة ودنيا. إلا أن ما يميزها أنها جميعاً تعتاش على مردود عملها، ولا وجود لتضارب بين مصالح شرائحها. من سمات هذه الطبقة خاصية مهمة هي الديناميكية، إذ إن معظم أفرادها من المتعلمين ومن الذين لهم طموحات وأحلام، وينتمي جميع من سجل براءات الابتكار والاختراع إلى إحدى شرائحها، وقد أنتجت هذه الطبقة معظم القيادات والزعامات السياسية في جميع دول العالم.

ومن المرجح في ضوء ذلك، أن الرئيس أوباما يقصد هؤلاء في إشارته إلى «الطبقة الوسطى»، وهو في ذلك محق إلى درجة كبيرة. فإذا أوغلنا بعض الشيء في سعينا للتعرف إلى طبيعة المجتمع الأميركي ودور كل طبقة فيه، لوجدنا أن هذه الطبقة هي المحرك الأساسي للمجتمع، وهي التي تقوده وتطوره وتسهم في إغناء قيمه المادية والروحية.

توزعت هذه الطبقة في الولايات المتحدة في مؤسسات كبيرة تشكل البنية التحتية للمجتمع الأميركي، منها وكالة الفضاء ناسا ووكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، والجامعات ومراكز البحوث والتطوير، والشركات الصناعية والتجارية بمختلف أحجامها، والمستشفيات ودور الرعاية الاجتماعية، والمؤسسة العسكرية بكافة صنوفها، وغيرها من المرافق الحيوية.

الرئيس أوباما في رسالته هذه، يميز سياسة الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه عن سياسة الحزب الجمهوري الذي يقف تقليدياً مع الطبقة الغنية.