في مقابلة عام 1995 ذكرت هيلاري كلينتون أنّ أمّها قامت بتسميتها بهيلاري تيمّناً بالمتسلق الشهير إدموند هيلاري أول شخص نجح في تسلّق قمة جبل إيفرست ، الأمر الذي يُفسّر وجود حرفي "ل" في اسمها خلافاً للعادة، و لكن الذي لم نجد له تفسيراً أنّ إدموند نجح في تسلّق القمة عام 1953 أي بعد أكثر من خمس سنواتٍ من ولادتها !

ورغم تدارك متحدثٍ رسمي بأنها كانت تقصد أنّ أمها اعتادت أن تقول لها ذلك على سبيل المزاح من أجل بث الحماس وروح التفوّق وليس لأنها فعلاً سُمّيت عليه إلّا أن الأمر بالنسبة لي جِدُّ بسيط، فنحن نأخذ الحَسَن من الآخرين و نطرحُ السيء أو ما جافى الصواب، وكم هو مهم أن نبحث دوماً عن نواحي التفوق لدى البارزين لمحاكاتها وبث تلك الروح الايجابية فينا وفي من حولنا، فالبحث عن الكامل نوعٌ من الجنون، ونفض اليدين من كامل التجربة لوجود نقص في بعض جوانبها يُفقدنا طواعية الكثير من الدروس التي بامكانها اختصار الطريق للنجاح !

سجل السيدة هيلاري حافل في جانبه السياسي، فخلال السنوات الأربع التي قضتها كوزيرةٍ للخارجية الأميركية قطعت نحو مليون ميل، وزارت 112 بلداً، وقضت نحو 401 يوم على متن الطائرة الرئاسية، لتصبح أول وزيرة للخارجية تسافر أكثر من أي وزير خارجية قبلها بل وأكثر من أي رئيس أميركي، وفي بداية فترتها صرحت قائلة في معرض الحديث عن علاقات أميركا الخارجية: "لدينا العديد من الأضرار و لابد من اصلاحها" في بدايةٍ موفقة لرسم التوجّه القادم وبيانٍ عن نُضج تام في التعامل مع بقية دول العالم الموافق منها والمناوئ، فالاعتراف بالمشكلة هو أول خطوات حلّها في حين كان بإمكانها المكابرة و السير على خُطى من سبقها.

لا يستهويني الجانب السياسي البتة، ولكن سأمر على محطاتٍ جديرةٍ بالوقوف لدى ابنة تاجر الأقمشة والمولودة عام 1947، وتحديداً عمّا يميزها في نظري المتواضع كإنسانة وكمسؤولة وهي أمورٌ ثلاث : الثبات العاطفي، والمرونة، والحفاظ على الصورة الكبيرة دوماً، فثباتها العاطفي كان ماثلاً في أزمة زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون وفضيحة مونيكا لوينسكي والتي وقفت بها مع زوجها وأصرّت على أنّه "أعظم رجل قابلته في حياتها وما زال" وهو الأمر الذي سيُخرجها حتماً من أي دورٍ مستقبلي في مسلسلات النكد الخليجية و"طلبي الطلاق يا معوّدة" و "يعله ما يتوفق".

فعند الصدمات تتضح قدرات البشر فمنهم من يهوي معها وهم الأكثرية، ومنهم من يقف ضدها ويثبت عندما تختل موازين غيره، و كم كان سيصبح شاقاً عليها أن تخوض انتخابات الرئاسة لاحقاً لو استجابت لضغط الرأي العام عليها للطلاق من "خاين العِشرة"، فأنّى لمن فشلت في الحفاظ على أسرةٍ صغيرة منذ أول مطب أن توكل لها أمانة ومسؤولية قُرابة مئة مليون أسرة ومقدرات وطنٍ عظيم كالولايات المتحدة، ولكن رباطة جأشها وتماسكها العاطفي هو ما رسخ أقدامها لاحقاً، وهو ذات الثبات والاتزان الذي دعاها لتليين اللغة تجاه الصين خلافاً للعادة ولتعيد العتب على التوجّه الأميركي القاصر لتقول: "فشلنا في رؤية قدوم الصين كثاني أكبر اقتصاد عالمي، لا ألوم الصين و لكن سألوم حكومتنا إذ لم نعد للكفاح من جديد".

مرونتها بدأت منذ صغرها، فبعد مشاركتها في سن الثالثة عشرة في انتخابات أحد مرشحي الخط الجمهوري الذي تدعمه عائلتها المحافظة، لم تلبث بعد فترة وخاصة بعد لقائها بمارتن لوثر كينج أوائل الستينات أن انتقلت للخط الليبرالي الداعم للحقوق المدنية، ثم تركت الجمهوريين بعد اكتشافها لفساد في الحملة الانتخابية لريتشارد نيكسون لتنتقل للجانب الديمقراطي وهو أمرٌ ليس بشائع في المجتمع الأميركي، لكن هيلاري لم تكن ذات مرونة لمجرد التغيير وإنما كان ما رأته من خلل في أجندات وسلوكيات المرشحين الجمهوريين هو ما دعاها لهذا النفور و التغيير، وما زالت حادثة خطاب التخرج الذي ألقته وانتقدت فيه السيناتور ادوارد بروك والذي كان للتو قد أنهى كلمته قبلها ماثلاً للأذهان ولفرط قوته وجرأته في انتقاد الشعارات الجوفاء وقف الجمهور مصفقاً لها لمدة سبع دقائق كاملة !

الجانب الثالث والخاص بالصورة الكبيرة، فقد دأبت هيلاري على اعتبار الدبلوماسية الإقتصادية و"تسويق" أميركا كـ"شركة" جزءاً رئيسياً من عمل وزارة الخارجية، وأطلقت مبادرة أسمتها (سفير كرئيس تنفيذي) Ambassador-as-CEO لتعزيز دور السفارات الأميركية في ترويج المنتج الأميركي وكسب تعاقدات عديدة تسهم في انعاش الاقتصاد وتكريس الهيمنة الأميركية، وقامت بنفسها بمجموعة من التدخلات لصالح الشركات الأميركية، فأقنعت الروس بصفقة طائرات البوينغ واليابان للتعاقد مع لوكهيد مارتن واستراليا مع سبيس سيستم لورال.

كما عملت على تسوية أرضية السوق للشركات الأميركية في الدولة الواقعة في الحديقة الخلفية للصين مثل كمبوديا، سنغافورة، فيتنام، أندونيسيا وبقية تلك المجموعة، بالاضافة إلى إدارتها لدفة ما عرف بـ(شراكة ما عبر الهادي ) لمواجهة المنافسة الصينية المتزايدة، كما نجحت في اقناع المسؤولين الصينيين أنفسهم للتساهل في اشتراطات الابتكار (ابن البلد) والذي كان يحرم الشركات الأميركية من الدخول للسوق الصينية !

إنّ سِير الناجحين مغنمُ لمن أراد اقتفاء آثارهم بصرف النظر عن اختلاف المشارب والمذاهب، وإنّ النظر إلى المرتكزات التي بنى عليها أولئك الناجحون طريقهم لهو المفتاح السحري للانضمام لقافلتهم، ولا يهمنا كثيراً سبب تسميتها بهيلاري قَدر ما يهمنا أن نقف على ما ميّزها عن غيرها ليعتبرها الأميركيون السيدة المفضلة لسبع عشرة مرة !